النص التراثي الإسلامي الإفريقي: نحو خطوات أساسية لإحيائه

النص التراثي الإسلامي الإفريقي: نحو خطوات أساسية لإحيائه

 الدكتور حميد لحمر أستاذ التعليم العالي ـ جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس: نحو خطوات أساسية لإحياء النص التراثي الإسلامي الإفريقي
الدكتور حميد لحمر أستاذ التعليم العالي ـ جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس: نحو خطوات أساسية لإحياء النص التراثي الإسلامي الإفريقي

نص محاضرة “نحو خطوات أساسية لإحياء النص التراثي الإسلامي الإفريقي” للدكتور حميد لحمر أستاذ التعليم العالي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس التي ألقاها خلال اليوم الأول من الندوة العلمية الثانية التي نظمها فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في النيجر، تحت عنوان: التراث الإسلامي الإفريقي في النيجر بين الماضي والحاضر وآفاق المستقبل،يومي: السبت والأحد 17-18 ذو القعدة 1440 هـ الموافق لـ 20-21 يوليوز 2019 م، في نيامي. 

 

أيها السادة الحضور اسمحوا لي في افتتاحية هذه الورقة وانطلاقا من عملية التنسيق التي توليتها في لجنة إحياء التراث الإسلامي الإفريقي، أن أذكر بأمور:

  1. أن هذه الندوة تأتي في إطار التفعيل لمقتضيات إحدى المواد المنظمة لمؤسسة محمد السادس وعلى الخصوص تلك المتعلقة بلجنة إحياء التراث الإسلامي الإفريقي وأهدافها الإستراتيجية، ثم التنزيل لأنشطتها السنوية المرتبطة بالفروع.
  2. الاستجابة لمقترحات اجتماع لجنة إحياء التراث الإسلامي الإفريقي المنعقدة بتاريخ:09/12/2017 بفاس. وقد قدمت في اجتماعها ورقة مقترحة، تمت مناقشتها من قبيل جميع أعضاء الفروع الممثلة بلجنة إحياء التراث، ووقع الاتفاق فيها على:

مقترحات اجتماع لجنة إحياء التراث الإسلامي الإفريقي المنعقدة بتاريخ: 09/12/201

أولا: أن التراث الإسلامي الإفريقي يشمل:

  • كل ما يدخل في صنف النص المخطوط، بجميع اللغات الإفريقية المحلية، والعربية المشتركة.
  • صنف المعمار الإسلامي القديم المتنوع، مثل: المساجد، والكتاتيب القرآنية، والمدارس والمعاهد الدينية العتيقة، والزوايا، والخلوات، وغيرها.
  • جميع اللغات الإفريقية المتعددة تدخل في صنف التراث، وكذا جميع العادات والتقاليد والصناعات التقليدية، والتراث الشفاهي.

وتم التأكيد على الاهتمام بهذا التراث جميعا، والتحسيس بأهميته، وصيانته، وحمايته، ومحاولة استيعاب فهمه، والتعريف به على نطاق واسع، واستثماره.

ثانيا: الحرص على الاهتمام – بالدرجة الأولى- بالتراث الإسلامي الإفريقي المخطوط:

وذلكم، لأنه هو الذي يعكس ويجسد ثقافة المجتمعات الإفريقية، وارتباطها بالحضارة الإسلامية منذ القدم، كما أن هذه المخطوطات، هي الدليل الساطع على حضارة أمتنا الأفريقية الإسلامية، وكونها تتميز بقواسم مشتركة موحدة، وعلى الخصوص في النصوص الدينية الشرعية المكتوبة بجميع اللغات المحلية – دون استثناء-.

ثالثا: محاولة إنقاذه وإحياءه: عن طريق البحث عنه وجمعه أولا، والصيانة ثانيا، ثم التحقيق ثالثا، فالنشر والطبع في الأخير، لتتيسر الاستفادة منه.

رابعا: التعريف بجميع الأعلام الأفارقة: الذين ساهموا في بناء الحضارة الإسلامية الإفريقية، حسب بلدانهم.

خامسا: ضرورة إشراك جميع الفاعلين، وخبراء الموضوع من الباحثين الأكاديميين الإفريقيين في عملية الفهرسة للتراث، وكذا في عملية التحقيق لنصوصه، اعتبارا لإلمامهم بمعاني المصطلحات الإفريقية الواردة في بعض النصوص، وكذا معرفتهم بالأماكن، والقبائل، والأعلام الإفريقية.

سادسا: ضرورة انفتاح فروع المؤسسة على جامعتها الإفريقية، ومراكز البحث الإفريقي، بغية إشراكهم في إنجاز بعض مشاريع المؤسسة.

سابعا: إعطاء الأولوية في تحقيق النصوص المخطوطة، لبعض كتب الفهارس إنتاج علماء إفريقيا، للتعريف أكثر بالسادة العلماء الأفارقة، وكذا كتب التاريخ، وكتب النوازل الفقهية اعتبارا لأهمية ما تتضمنه من جوانب اجتماعية وأحكام فقهية، واقتصادية وأحداث تاريخية. ولأنها تعكس جوانب من حياة المجتمعات الأفريقية.

توصيات اجتماع لجنة إحياء التراث في الدورة الثانية المنعقدة بتاريخ 03/11/2018

وإن مما لا يخفى عنكم، أن هذه العمليات كلها، وعلى الخصوص في جانبها العملي التنزيلي، المتعلق بالبحث عن النصوص التراثية المخطوطة، وجمعها، وفهرستها، وصيانتها، وإنقاذها بالتحقيق ثم النشر، هو عمل يتطلب جهدا ووقتا، وأطرا خبيرة في المجال، وهو بالجملة عمل مضن. ولذلكم تطلب هذا من المؤسسة، إعادة بسط مدارسة موضوعه مرة أخرى، للخروج بتصورات عملية ناجعة.
فكان اجتماع لجنة إحياء التراث في الدورة الثانية المنعقدة بمدينة فاس المحروسة بتاريخ 03/11/2018 فرصة مواتية للخروج بتوصيات جد عملية منها:

  1. تنظيم ندوات حول التراث الإسلامي الإفريقي المخطوط كخطوة أولى، اعتبارا لأهمية النص التراثي المخطوط عموما، وكونه يعكس ثقافة مجتمعاتنا الإفريقية وحضارتنا.
  2. تنظيم دورات تكوينية تدريبية حول منهجية تقنيات تحقيق النص المخطوط، وتوحيد الرؤى والخطوات.
  3. إحياء التراث الثقافي الإفريقي الإسلامي المشترك من خلال التعريف به، ونشره والعمل على حفظه وصيانته.

ندوة التراث الإسلامي الإفريقي بين الماضي والحاضر وآفاق المستقبل في النيجر

وإن ما نحضره اليوم، في هذا اللقاء الدولي الهام، والحفل العلمي الكبير المشترك بين المؤسسة الأم، وفرعها بدولة النيجر الشقيق، هوفي الواقع، تفعيل وتجسيد لمقترحات وتوصيات اجتماع لجنة إحياء التراث السابق.

ويأتي تنظيم هذا اللقاء، وهو الأول من نوعه – في إطار لجنة التراث – ببلد النيجر، لكون هذا الأخير، يعتبر من البلدان الإفريقية الأولى التي دخلها الكتاب التراثي المخطوط قديما، وأنجب علماء كبار امتازوا بالموسوعية، وخلفوا مصنفات تراثية في شتى أصناف العلوم، فأصبح بذلكم، بلدا غنيا بتراثه الفكري، وكثرة مكتباته المتنوعة، ومع كثرة علماءه كثرت المكتبات الخاصة، التي تزخر بالمؤلفات التراثية المتنوعة الفنون والعلوم، فتولدت مع هذا كله لدى الشخصية العالمة النيجرية، تجربة رائدة حول كيفية التعامل مع النص التراثي المخطوط ، وأثمرت في زماننا مع الباحثين الأكاديميين المعاصرين، ممن برعوا في علم الفهرسة ، وتحقيق المخطوطات – ولقد قرأنا لهم أعمالا في غاية الأهمية والاعتبار، وإن نظرة خاطفة في فهرس المخطوطات الإسلامية الموجودة بمعهد الأبحاث في العلوم الإنسانية بنيامي –النيجر-الذي أعده الدكتور حسن مولاي النيجري ، وكذا الكتيب الذي أعده الدكتور الحسن سالو حول:”المخطوطات العربية في النيجر كنوز الأمة في طي النسيان ” وكذا كتابه:” فهرس المخطوطات العربية والإسلامية بمكتبة أبلغ”. كما أن مقالته:” كنوز تاريخية مهددة بالضياع ” في مجلة الوعي الإسلامي الكويتية في العدد الأخير 2019 ليؤكد ما نقول. وغير هؤلاء العلماء الباحثين النيجريين.

كما كان من نتائج تعاون بلد النيجر مع جهات متعاونة مختصة، أن أصبح هذا البلد، بيت خبرة في هذا المجال، نطمع اليوم الاستفادة من تجربته، والتعاون معه، إلى جانب ما لدينا، وما اكتسبناه من خبرة في هذا المجال ، وكذا الاستفادة من مخطوطاته وفهارسها المنجزة، وهذا من الأهداف الأساسية التي جاء التنصيص عليها في المواد المنظمة لأنشطة لجنة إحياء التراث الإسلامي الإفريقي ، والتي تنص على التعاون وتبادل التجارب، وتنسيق الجهود بين العلماء والخبراء الأفارقة للقيام بواجبهم في التعريف بتراثهم وتقريبه من الباحثين.

وإنه ليشرفني ويسعدني بهذه المناسبة، أن أشارككم اهتماماتكم بالتراث الإسلامي المخطوط إلى جانب مداخلات السادة العلماء المشاركين، بهذه الورقة المتواضعة التي حاولت التركيز فيها، طرح واقتراح خطوات وترتيبات مما يستحسن أو- بالأحرى –مما يجب القيام به لإنقاذ التراث الإسلامي الإفريقي المخطوط، مع الإشارة إلى ودور المؤسسات الرسمية في تيسير سبل الاستفادة منه، واخترت لها عنوان: نحو خطوات أساسية لإحياء النص التراثي الإسلامي الإفريقي المخطوط ودور المؤسسات الرسمية في تيسير سبل الاستفادة منه.

الخطوات الأساسية المقترحة لاكتشاف وإنقاذ النص التراثي المخطوط

فالورقة المقترحة على جمعكم المحترم– إذن – وهي جد مركزة ومختصرة، وتنقسم إلى قسمين أساسين:

القسم الأول: وهو يتناول – عملا – يمكن اعتباره اقتراحا تقنيا، يتعلق بالخطوات الأساسية المقترحة لاكتشاف وإنقاذ النص التراثي المخطوط – عموما – وهي في مجملها عبارة عن مجموعة مراحل، تتعلق:

أولا: بضبط الموجود، والبحث عن المفقود والعناية بهما وذلكم ب: المعالجة والصيانة والفهرسة، وهذه العملية يمكن معالجتها على مستويات ثلاث:

المستوى الأول: البحث والكشف عن النص المخطوط.

فأقول أولا مذكرا بما لدى أغلبيتكم من معلومات، بأن النص التراثي المخطوط وصلنا بأشكال وأنواع، فمنه: النص ذو العنوان الواحد، المصان بين دفتين، وهو المصطلح عليه بالكتاب، وهذا إذا ضم بين دفتيه أكثر من عنوان، أطلق عليه:” كتاب مجموع ” وما أكثر هذا النوع.

ومن النص المخطوط، ما وصلنا على شكل وثيقة، توثق لثبوت حق ومن هذا: العقود التي تسجل بين أطراف عدة، أوثيقة تتضمن تسجيل حدث أو أحداث أو إحصاء، أو خطاب تواصل عاد، أو مراسلات رسمية، أو تميمة، وهذا كله عادة ما يكون مرسوم في ورقة أو أوراق معدودة، وهي كلها تدخل فيما يسمى بالنص المخطوط – الكتاب أو الوثيقة – المفرد أو المجموع.

ثم النص التراثي المخطوط، إما أن يكون محررا على ورق أي كاغظ، أورق – بمختلف أنواع الرقوق- -، أو حجر، أو عسب، أو خشب، أو أقتاب، أو جبس، أو عظم، أو لوحة نحاس، أو حديد، أو ذهب، أو فضة، أو قماش، فكل ما يسطر بخط اليد على هذه الأدوات، هو نص مخطوط.

وبلداننا الإفريقية، – ومنها مملكتنا المغربية -، غنية بالنص التراثي المخطوط، وقد وصلنا محررا بطرق شتى. وتوزع على جهات حفظ متعددة ومتنوعة، فمنه ما هو محفوظ بالمكتبات الحبسية – أي الوقفية -، ومنه ما هو محفوظ بمكتبات الجوامع والزوايا، وآخر في المكتبات الخاصة – عند العلماء والأعيان والمهتمين -. ومنه ما تحتفظ به الحكومات في المكتبات العمومية الوطنية، وهذا وإن كان منظما ومحفوظا ومعتنى به إلى حد ما، فإنه قليل. ولا يمكنه أن يعكس ما يتوفر عليه البلد من تراث، كما أنه من الصعب أن يعتمد عليه في تقديم الصورة المتكاملة عن البلد وعلماءه، وما خلفوه من تراث مكتوب.

ومعلوم أن أغلب البلدان الإفريقية قامت جهاتها الرسمية بمجهودات جبارة للحفاظ على تراثها، فصنعت فهارس لمجموع ما تيسر جمعه إياه من تراث مخطوط، لكن الأغلبية من هذا التراث المخطوط لا زال مجهولا، غير معروف لدى أهل هذا الشأن والباحثين فيه عموما وحتى الموجود منه يعاني من شتى أصناف المعاناة التراثية.

وقد أثبتت التجربة من خلال البحث العلمي الجاد والمتابعة في هذا المجال، أن واقع أغلب التراث المخطوط – بأي بلد-، وعلى الخصوص، صنف ما نسميه بالنوادر، يوجد في– الغالب الأعم–في الزوايا والمساجد وفي المكتبات الخاصة، وأن أغلبه غير معروف، ولا مصان عند أصحابه بما يضمن ويحافظ على سلامته من الضياع والتلف، ولذلكم نبه خبراء الموضوع، بضرورة الوصول إلى هذه الثروة الإنسانية – المجهولة – والتي غالبا ما تحمل المفاجآت -، ومعرفتها والمساهمة في الحفاظ عليها، ولأجل هذا ابتكرت مؤسسات عدة، طرقا متعددة تشجيعية تحفيزية، علها توصل للمقصود ومعرفة ذلك المجهول في محل وجوده ، حتى يمكن الاستفادة منه، منها تنظيم جوائز تشجيعية للكتاب والوثائق المخطوطة، وفتح باب المنافسة بين ملاك هذا النوع من التراث.

وإن للمملكة المغربية – الإفريقية-، تجربة رائدة في هذا الباب، تمكنت من خلالها وزارة الثقافة بالتنسيق مع المكتبة الوطنية، من اكتشاف العديد من النصوص التراثية المخطوطة التي كانت مجهولة مودعة في مكتبات الخواص، وكذا الوثائق التراثية المخطوطة المتنوعة، ووفرت منها نسخا مصورة حتى تكون رهن إشارة الدارسين والباحثين، وأغلبها اتخذه الطلبة مشاريع بحث لأطا ريحهم العلمية بالجامعة المغربية، وأخرجت للتداول والاستفادة. وهي –أي وزارة الثقافة – إلى جانب هذا، أخذت المبادرة، فقامت بترميم مجموعة كثيرة من النصوص.

على أن هذه العناية والاهتمام بهذا الكتاب التراثي المخطوط ، لم تبق محصورة في دائرة اهتمام وزارة الثقافة فقط، وإنما توسعت دائرتها لتشمل جهات أخرى مسئولة أيضا ، وعلى الخصوص لدى: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والتي تتوفر علة مكتبات عديدة بمختلف أنحاء المملكة، مما تتوف على قسم خاص مكلف بالعناية وإنقاذ وإحياء التراث المخطوط، وقد لعب هذه الجهة دورا في غاية الأهمية، في اكتشاف العديد من كتب التراث بالزوايا والمساجد، والمكتبات الحبسية، إلى جانب حملة الفهرسة الوصفية الدقيقة الشاملة لجميع مخطوطات مكتباتها الحبسية.

المستوى الثاني: الصيانة للموجود ومعالجته.

على أنه بعد محاولة التعرف على هذه النصوص التراثية، والكشف عنها، وقد كانت مجهولة، تأتي مرحلة الصيانة لها ومعالجتها. وهذه تعتبر عقبة بالنسبة لبلداننا.

وإن واقع وحالة أغلب كتب التراث الإسلامي الإفريقي جد سيئة، فالكتاب التراثي الإسلامي الإفريقي المخطوط يعاني من الإهمال في محل وجوده بعقر داره، ويشتكي ويستنجد، ويلتمس التدخل، لأجل الإنقاذ والصيانة، ثم الإحياء له، وإن الأمر جد سهل إذا تعلق الأمر بالنص التراثي المفهرس بالخزائن الوطنية العمومية، إذا تيسرت عزيمة الصيانة وآلياتها الضرورية، لأنه يمكن تناوله، على أن الإشكال الكبير، يتعلق بالنص التراثي الذي عند الخواص، أوفي مكتبات الزوايا وشبهها، وهذا يشكل معضلة من معضلات التراث الإسلامي الإفريقي المخطوط، والسبب الرئيس في هذا، هو: ضعف الإمكانات المادية اللازمة، وعدم توفر وسائل وأدوات الصيانة، أو تقادمها إن توفرت، وتارة عدم متابعة الصيانة الضرورية لها.

المستوى الثالث: الفهرسة العلمية الموضوعية.

وهي العملية الأخيرة التي يمكن إنجازها في إطار الحفاظ على النص المخطوط، ومحاولة أرشفته تحت رقم تسلسلي غير قابل للتغيير، مع تعميم خبره في سجل مطبوع، أو ما يسمى بالفهرس الوصفي للمخطوطات، قابل للتداول بين أيدي الباحثين والمهتمين، والتبادل بين المكتبات المحلية والوطنية والدولية.

ومما لاشك فيه أن عملية الفهرسة هاته، عنصر مهم جدا في التعريف بالكتاب، حيث تقدم المعلومات الكافية عنه، وتتبع أخباره، ونسخه المنتشرة في مكتبات العالم.

وإن هناك محاولات وكثيرة بذلت في فهرسة مجموعة من المخطوطات على مستوى أغلب الدول الإفريقية، ولكن بالتأكيد ستبقى محاولات متواضعة، فهناك جهات كثيرة ببلداننا الإفريقية لم تشملها هذه العملية، بسبب عراقيل وصعوبات عديدة متنوعة، بعضها لابد أن يتم بالتنسيق والتعاون.

ومساهمة من مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، ووعيا منها بأهمية الموضوع، جاء التنصيص عليه في فقرات القانون المنظم للجنة إحياء التراث الإسلامي الإفريقي. – كما نبهت عليه في أول الورقة –.

وفي قيد ختم القسم الأول، أقول بأن هذه الخطة، ومجهوداتها المقترحة، قد تقدم خدمة كبيرة للباحث في هذا الشأن، كما أن من نتائجها المتميزة، أنها ستكمل الجهد الكبير الذي قام به المستشرق الألماني، واعتبر وقته، إنجازا ضخما كبيرا عند إخراجه لعمله الموسوعي للفهرس الوصفي لمخطوطات دول العالم الموسوم ب:” تاريخ الأدب العربي” لكارل بروكلمان الألماني.
وأني لجد متأكد أنه عندها سيتبين لنا وبالملموس، أن عمله هذا، قدم مبتورا، وأنه تنقصه آلاف عناوين الكتب التراثية الإفريقية المخطوطة، هذا أولا.

ثانيا سيتبين للباحثين، أن كل من اعتمد عليه اعتمادا كليا، فاتته معلومات أخرى عن نسخ أخرى للكتاب الواحد ، وقد بقيت نسيا منسيا في أفريقيا الغنية، وأن لا غنى لهم، ولأي باحث عن فهارسنا التي تسعى مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بالتعاون مع فروعها بالدول الأعضاء، إعدادها كاملة في إطار مشروع المستقبل الذي تهدف المؤسسة إلى إنجازه في إطار:” موسوعة محمد السادس الأفريقية للأعلام البشرية والمعالم الحضارية والمؤلفات الإسلامية “، حتى تكون رهن إشارة الإنسانية جمعاء، حاليا ومستقبلا.

الخدمة العلمية لإحياء النص التراثي المخطوط

أما القسم الثاني فيتعلق بالخدمة العلمية لإحياء هذا التراث.

وهذه تقدمها المؤسسات العلمية الأكاديمية، وتتبعها عملية الطبع التي تنهض بها المؤسسات الوقفية والثقافية والمطابع التجارية، وهذا يمكن تناوله في فقرتين:

الفقرة الأولى: دور المؤسسات الرسمية في تيسير سبل الاستفادة من النص التراثي المخطوط.

أما الحديث عن المؤسسات الرسمية المعنية بعملية إنقاذ هذا التراث وإحياءه، فيمكن معالجته في فقرتين:

الفقرة الأولى: تحديد الجهات الرسمية المعنية بالموضوع، ويأتي في مقدمة هذه الجهات الرسمية المعنية بالبحث لإنقاذ النص التراثي المخطوط.

  1. وزارة الآثار والشأن الثقافي – حسب تسميات الدول-، وهذه يقع على عاتقها وعبء وشأن كبير في إعداد الطاقم والإطار الخبير في هذا الشأن، والذي يمكنه بخبرته وتجربته، وما توفره له الوزارة الوصية من إمكانات مادية ولوجستية لإنجاز عمله، ثم هذه الجهة هي التي تمد مكتباتها الوطنية، والتي تعتبر الجهة الفاعلة، ذلكم لأنها هي التي تحفظ هذا النص وتحضنه، وتقدم المساعدات لمن يهمه الأمر.
  2. الجهة الثانية المعنية بالموضوع، هي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهذه يمكن ترتيبها في عملية الإنقاذ في المرتبة الثانية بعد الوزارة الوصية.
  3. وهذه تتبعها جامعات، والجامعات تضم الكليات العديدة، وكلها معنية بخدمة هذا التراث كل يتناوله من جهة اختصاصه ومهامه وما انتدبت لأجله.
  4. وقد أثبثت التجربة، أن مجموعة من وحدات البحث، قد لعبت دورا كبيرا في إنقاذ مجموعة كثيرة من النصوص التراثية، وأن أغلبها أخرج للوجود مطبوعا.
  5. مراكز البحث في شأن التراث المخطوط. التابعة للمنظمات الحكومية مثل جامعة الدول العربية، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة- الإيسيسكو-، والمؤسسات الوطنية والدولية غير الحكومية المعنية بالتراث المخطوط، وهي المؤسسات الحرة التي تشكلها جمعيات المجتمع المدني ذات الطابع الأكاديمي، مثل مؤسسة جمعة الماجد بالإمارات، ومؤسسة الفرقان بلندن بأنجلترا، ومركز نجيبويه وغيرها من المؤسسات التي عادة ما تنشط بالتعاون مع المؤسسات الرسمية، وتعمل في الغالب على تقديم خدمات أساسية مثل إنجاز الفهارس للمكتبات الخصوصية والإصلاح والترميم.

وإن مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، لتعتبر لبنة أساسية إلى جانب باقي المؤسسات، التي انتدبت نفسها لإحياء هذا التراث النفيس، وحول هذا الشأن نجتمع اليوم بعد النشاط الافتتاحي الأول، في أول نشاط تراثي، تفعيلا لبرنامج لجنة إحياء التراث الإسلامي الإفريقي، بفرعها بجمهورية النيجر.

الفقرة الثانية: أهمية عملية الطبع التي تضطلع بها بعض المؤسسات لإنقاد النص التراثي المخطوط.

ولإحياء هذا التراث النصي المخطوط، حتى يكون بين أيدي العلماء: الفقهاء والقضاة، والمفتين، والأدباء واللغويين والأطباء والرياضيين والفلكيين، بل بيد ورهن إشارة سائر المثقفين عموما، فإن بعد عملية ضبط الموجود منه، والعثور على مفقوده، وفهرسة مجموعه، تأتي مرحلة الخدمة العلمية لهذا النوع من التراث النفيس، والتي تتوج بالطبع والنشر، وهذه الأخيرة ، هي عملية الإحياء المنشودة والتي نراهن عليها ، وهي تقع على عاتق المؤسسات الوصية أولا، والشبه الوصية كالمنظمات الوطنية والدولية المشار إليها أعلاه، والتي تتمتع بصلاحيات التنسيق مع جهات التطوع و المسأعدة والدعم عند الضرورة.

كما يبقى باب التدخل مفتوحا في وجه المؤسسات التجارية التي يمكنها المشاركة في عملية الإحياء بالطبع والنشر والتوزيع والتسويق أيضا.

وإن اللجنة الدائمة لإحياء التراث الإسلامي الإفريقي بمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، لجد واعية بأهمية الموضوع في أبعاده الإستراتيجية: الإنسانية والعلمية والحضارية، الحالية والمستقبلية، وما يتطلبه الموضوع من تضحية ومثابرة وإخلاص، ومتابعة لتحقيق الأهداف السامية، حتى يتحقق فينا رجاء وأمنية مؤسسها، مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

والحمد لله الذي بفضله ونعمته تتم الصالحات.