عناية المغاربة بالسنة النبوية الشريفة: إرث علمي وروحي متواصل عبر القرون

اعتنى المغاربة، عبر تاريخهم، بالحديث النبوي الشريف عناية بالغة، لا تضاهيها إلا عنايتهم بالقرآن الكريم. وقد تجلت هذه العناية في جهود علمائهم في حفظ السنة النبوية وروايتها، ودراسة أسانيدها ومتونها، والتأليف في مختلف علومها، بما تميزت به مصنفاتهم من غزارة الإنتاج ودقة المنهج وجودة التحقيق. ولم تقتصر إسهاماتهم على نقل التراث الحديثي وشرحه، بل امتدت إلى نقد المصنفات ومراجعتها والاستدراك على ما ورد فيها بالحجة والبرهان، مما بوأ المدرسة الحديثية المغربية مكانة متميزة في تاريخ العلوم الإسلامية.
وقد تنوعت مجالات خدمة السنة النبوية لدى علماء المغرب، فمنهم من انصرف إلى الرواية والإسناد، ومنهم من اهتم بشرح الأحاديث واستنباط الأحكام الفقهية منها، ومنهم من اعتنى بالتعريف بشمائل الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وحقوقه، كما يتجلى في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض السبتي (توفي سنة 544هـ/1149م)، إلى جانب العناية بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وترسيخ محبته في النفوس، كما يجسد ذلك كتاب «دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار» للإمام محمد بن سليمان الجزولي (توفي سنة 870هـ/1465م). وقد حفظت كتب التاريخ والتراجم والفهارس جانبا مهما من هذا الإرث العلمي والروحي الغني، الذي تعاقبت على خدمته أجيال من العلماء.
واحتل صحيح الإمام البخاري مكانة خاصة في الحياة الدينية والعلمية المغربية، حيث اعتنى به العلماء رواية ودراسة وشرحا واختصارا، وأصبح مرجعا أساسيا في حلقات التدريس والمجالس العلمية. وترسخ في المغرب تقليد قراءة صحيح البخاري خلال أشهر رجب وشعبان ورمضان، واختتام قراءته في ليلة السابع والعشرين من رمضان، في مجالس علمية تحظى برعاية ملوك المغرب ومشاركة العلماء.
وهكذا، ظلت العناية بالسنة النبوية الشريفة تقليدا علميا وروحيا متواصلا عبر القرون، امتزجت فيه جهود العلماء بالرعاية الملكية، وانتقلت من مجالس الرواية والتدريس والتأليف إلى مختلف مناحي الحياة الدينية والعلمية للمملكة المغربية، حفظا ورواية، وفهما ودراية.