الكتاب العربي المخطوط في شمالي إفريقيا وجنوبي الصحراء

الكتاب العربي المخطوط في شمالي إفريقيا وجنوبي الصحراء

الكتاب العربي المخطوط في شمالي إفريقيا وجنوبي الصحراء
الكتاب العربي المخطوط في شمالي إفريقيا وجنوبي الصحراء – أحمد شوقي بنبين

البحث في مجال المخطوطات في إفريقيا لا ينفصل عن البحث في دور العلم وخزائن الكتب ومكتبات الزوايا والرباطات التي عنيت بحفظ هذا التراث من جهة، كما لا ينفصل عن البحث في تاريخ الثقافة في هذه البقعة من العالم من جهة ثانية.

تعالج هذه الورقة قضية وضعية المخطوط العربي في إفريقيا الشمالية، خصوصا في المغرب وتونس، كما تتناول البحث في الكتاب العربي المخطوط في دول جنوبي الصحراء، عربيا كان أو بإحدى لغات المنطقة كالولوف والهوسا والسواحلية التي استعارت الحرف العربي للكتابة[1].

ولم تقصر هذه الدراسة على الجانب التاريخي، بل إنها تمتد إلى الجانب الباليوغرافي والكوديكولوجي الذي لم يحظ دائما بعناية الباحثين في هذا المجال. ولا بد من الإشارة إلى أن المعالجة الباليوغرافية والكوديكولوجيا للمخطوط، تدعو الباحث إلى رؤيته وملامسته وتشخيصه. وقد يتأتى هذا بالنسبة للمجموعات الخطية المحفوظة في خزائن الكتب في شمال إفريقيا. أما بالنسبة لمجموعات جنوبي الصحراء، فهو شيء متعسر، بل متعذر، لتباعد أماكن حفظها في إفريقيا الغربية.

وبالرغم من هذه العقبات، استطعنا أن نعالج هذه المشكلة جزئيا، وذلك بدراسة تلكم القلة النادرة من الوثائق الساحلية التي وصلت إلى المغرب، وبالرجوع إلى مقالات وأبحاث الدوريات التي خصتها بالدراسة والبحث من جهة، وإلى قراءة الفهارس التي سهرت على وضعها ونشرها ثلة من الباحثين عربا ومستشرقين، ومجموعة من المؤسسات الوطنية والدولية التي تغيت التنقيب عن هذه المجموعات، ونفض الغبار عنها، في محاولة للكشف عن نوادر التراث المخطوط المحفوظ في هذه الجهة من إفريقيا التي دعيت في التاريخ بالسودان المغربي.

الكتاب العربي المخطوط في شمالي إفريقيا

تونس

تعتبر مدينة القيروان بتونس المحطة الأولى التي حل بها المشارقة، عساكر وعلماء دين وأدباء، حاملين معهم الكتب العربية، وعلى الأخص منها المصاحف القرآنية بالخط الكوفي. وما زالت دور الكتب بهذه المدينة العالمة تحتفظ بالكثير من أجزاء هذه النوادر. وقد أجمع الباحثون على أنه بفضل هذه الرحلات قد تم اتصال حميمي ووثيق ومتواصل بين الحضارة الإسلامية وحضارة الأمازيغ الأفارقة المقيمين بهذه الديار.

وقد أدت هذه المجموعات الخطية الشرقية إلى تشجيع الحياة الثقافية بالقيروان، حيث نشطت حركة التأليف، وتطورت النساخة التي تعتبر من أهم عناصر الوراقة. كل هذا جعل من هذه المدينة أول قلعة علمية إفريقية، يشهد بذلك ما تحتفظ به من وثائق ونصوص ترجع إلى العصر الإسلامي الأول. ومن هذه الوثائق ما هو فقهي صرف، يحدثنا عن جهود الفقهاء المشارقة في الفتوى، التي كان الأفارقة الحديثو العهد بالإسلام بحاجة إليها لممارسة الحياة اليومية طبقا للشريعة الإسلامية. ولابد من الإشارة إلى أن هذه الفتاوى صدرت عن مجموعة من علماء المالكية، بل وضعت كتب الفقه حسب قواعد المذهب المالكي، بدءا بمدونة أسد بن الفرات الذي حضر دروس الإمام مالك، وشهد مجالس تلامذته، وقد صنف “الأسدية”، وجمع فيها ما لقفه من شيوخ المذهب، ليأخذها عنه التلاميذ، ولتصبح المرجع الفقهي للتابعين لمذهب مالك، بل لتؤسس مدرسة من مدارس الفقه المالكي بالقيروان. إن ظهور الإمام سحنون (تـ. 240 هـ)، الذي اعتبر في الساحة العلمية أكبر فقيه مالكي في ذلك الوقت، والذي حضر دروسه العلماء من كل الآفاق حتى من الأندلس، قد جعل نهاية لمحاولة ابن الفرات، وذلك بوضع “المدونة الكبرى” التي نقلت قواعد مالك عن طريق تلميذه المباشر عبد الرحمان بن القاسم.

إن الحركة الثقافية التي عرفتها القيروان، أدت إلى إنشاء عدد من المكتبات لحفظ التراث الذي آل جزء كبير منه في العصر الحديث إلى المكتبة الوطنية التونسية، ليستفيد منه المثقفون الباحثون في عدد من التخصصات، على الأخص منها الفقهاء، وعلماء الآثار، والكوديكولوجيون، وغيرهم. وقد كتب معظمه بالخط الكوفي الذي هو في أصله الخط الحجازي الذي انتقل إلى الكوفة بالعراق، فتحسن وتطور، وسمي باسم هذه المدينة. ومن يبحث في مادة الكتابة يجد أن معظمه نسخ على الرق بالرغم من وجود مادة الكاغد الذي بدأ صنعه في بغداد منذ النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة. ولم تتم السيادة للكاغد باعتباره مادة للكتابة في الشرق وفي الغرب الإسلامي، إلا ابتداء من أواسط القرن الثالث للهجرة[2]. وبقي الرق مادة لنسخ القرآن الكريم أو لنسخ بعض الوثائق الخاصة. وقد اهتدى الكوديكولوجيون إلى العثور على بعض المخطوطات الهجينة (hybride) التي كتبت على الرق والكاغد في الوقت نفسه. والغالب على هذا النوع من الكتب، هو أن النص ينسخ على الكاغد، وتكون الأوراق الأولى – التي يطلق عليها أوراق الحفظ والأوراق الأخيرة – من الرق. ويمثل هذا الصنف من المخطوطات؛ حسب أهل الاختصاص؛ التطور التدريجي والانتقال من الرق إلى الكاغد في النساخة العربية.

إن هذا الرصيد، الذي بقي منه جزء كبير في مكتبات تونس، قد أسهمت في إغنائه معظم الدويلات التي تعاقبت على حكم تونس، بدءا بالأغالبة، ومرورا بالفاطميين، إلى عصر الحفصيين الذي عرفت فيه تونس إنشاء أول مكتبة عامة على يد الأمير أبي فارس عبد العزيز الحفصي عام 797 هــ، الذي أودعها أمهات العلوم والدواوين، لينتفع بها طلبة العلم.

وقد عرف العهد الحسيني ازدهارا كبيرا في هذا المجال، حيث عمل المشير أحمد باي الأول على إثراء مخطوطات جامع الزيتونة، وذلك بتزويدها بمجموعات خطية مشرقية ومغربية، أتى بها من المغرب وإستانبول وغيرها. وسميت هذه المكتبة بالأحمدية نسبة إليه.

وفي العصر الحديث، ضمت محتويات هذه الخزائن وغيرها من مكتبات المدارس العتيقة والمساجد إلى دار الكتب الوطنية التي أسست عام 1885 م. وقد أضيفت إلى هذه الأرصدة مكتبات خاصة، مثل مكتبة العالم الكبير حسن حسني عبد الوهاب، التي تجاوزت ثلاثين ألف مخطوط.

 الجزائر

أما في الجزائر، فإن حركة التأليف قد بدأت مع الدولة الرستمية، أول دولة إسلامية في هذه البلاد. وقد أسس الإباضية من الخوارج الذين استقروا في تاهرت عاصمة الدولة مكتبة بلغت آلاف الكتب، معظمها جلب من المشرق. وبعد هذه الفترات الأولى، ظهر علماء أجلاء أثروا الثقافة العربية الإسلامية في المغرب الأوسط، فألفوا في معظم المعارف المعروفة في الحضارة الإسلامية، كالتفسير، والحديث النبوي الشريف، والقراءات، والعقيدة، والنحو، واللغة، والأدب، والحسبة، والفلك، والهندسة، وغيرها. ونذكر منهم؛ على سبيل المثال لا الحصر؛ محمد التنسي (ت. 799 هـ)، وأحمد الونشريسي (ت. 914 هـ) صاحب المعيار المعرب، والإمام يحيى المازوني (ت. 883 هـ) صاحب “الدرر المكنونة”، ومحمد عبد الكريم المغيلي (ت. 909 هـ)، وابن خميس، وأحمد المقري (ت. 1041 هـ) صاحب “نفح الطيب”، وابن قنفد القسنطيني (ت. 809 هـ).

كل هؤلاء قد خلفوا كتبا تعتز ببعضها المكتبات العامة والخاصة ومكتبات الزوايا والمساجد. وقد تحدث عن هذه المحتويات عدد من المؤرخين، مثل الغبريني في “عنوان الدراية”، وابن مريم في “البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان”، وأبي القاسم الزياني (ت. 1249 هــ) في “الترجمانة الكبرى”، ولكن الظروف التاريخية والسياسية القاسية التي عاشها المغرب الأوسط، بدءا بالنفوذ العثماني إلى الاستعمار الفرنسي، لم تسعف على حفظ هذا التراث، الذي تعرض لصروف الدهر والمحن، مثلما وقع من استيلاء على مخطوطات قسطنطينة التي نقلت إلى فرنسا، إثر المعركة التي عرفتها هذه المدينة عام 1837 م. وفي ذلك الوقت، أباد المستعمر المكتبة الثرية للزعيم الأمير عبد القادر (ت. 1883 م) الجزائري، كما استولى على مكتبة الشيخ الحداد عام 1871 م، أثناء مقاومته للفرنسيين. وآخر مأساة في هذا المجال، إحراق مكتبة جامعة الجزائر من طرف الغلاة الفرنسيين، قبيل استقلال البلاد عام 1962 م.

بالرغم من هذه المآسي، التي تمت خلالها إبادة مجموعات خطية، وتم الاستيلاء على أخرى ونقلها إلى فرنسا، ودفن قسم ثالث تحت الأرض لعلماء جزائريين هاجروا فرارا من المستعمر إلى المغرب وغيره، أملا في أن يعودوا يوما ويسترجعوها من تحت الأرض، فإن المكتبات الجزائرية قد احتفظت بالكثير من المخطوطات اشتغل بها المستشرقون الفرنسيون، فهرسة ونشرا وترجمة[3]. ونضرب المثل بخزائن بعض الزوايا التي اشتهرت برصيدها الغني، وزارها عدد من كبار الباحثين في الشمال الإفريقي، مثل المكتبة القاسمية “بالهامل”، ومكتبة زاوية “طولقة”.

تأسست المكتبة القاسمية بزاوية الهامل المعروفة بولاية المسيلة في القرن التاسع عشر للميلاد. تحتوي على أكثر من 1200 مخكوكة في شتى العلوم الشرعية، من تفسير، وفقه، وحديث، وتصوف، وسيرة، ولغة. وقد استطاعت هذه المكتبة أن تحتفظ بهذه المجموعة، لأن أبناء الزاوية عملوا على إبعادها عن أعين السلطات الفرنسية. ومع ذلك، فإن أول من قام بفهرستها المستشرق الفرنسي ريني باسيه[4] (René Basset) المتوفى عام 1924 م، قبل أن يتولى فهرستها والاهتمام بمحتوياتها مجموعة من علماء الجزائر كالأستاذ محمد فؤاد القاسمي الحسني مثلا. وكان من محتويات هذه الخزانة “شجرة الأنساب والبراعة في حق اليراعة” ونسخة من “المعيار المعرب” للونشريسي.

أما زاوية “طولقة” فقد أسسها الشيخ علي بن عمر في مدينة طولقة عاصمة الزاب، وكان يدرس فيها “مختصر خليل”، و”الآجرومية” و”الأزهرية” و”الجوهر المكنون”، وتحفيظ القرآن الكريم، وكان الشيخ محمد عبد الحي الكتاني من المترددين عليها، وقد ذكرها في كتابه “المكتبات الإسلامية ومن ألف في الكتب”.

تحتوي مكتبتها على مجموعة من النوادر المخطوطة والمطبوعة طباعة حجرية. نذكر منها: “تتمة يتيمة الدهر” للثعالبي، و”النهضة المرضية في شرح الألفية” لمحمد بن مالك، و”شرح ألفية ابن معط في النحو” لعبد العزيز بن جمعة النحوي الموصلي.

ويجب على الجزائر اليوم أن تعمل على تكوين مختصين في علم المخطوط بمفهومه الحديث، الذي يسمى في الغرب بالكوديكولوجيا، لأن دراساتها في هذا المجال ما زالت دراسات تقليدية.

ليبيا

وقد عاشت ليبيا بدورها ظروفا تاريخية وسياسية صعبة، مثل أختها الجزائر، لم تسعفها على الاهتمام بالكتاب المخطوط والنهوض به، جمعا وفهرسة وتحقيقا. إن الأرصدة التي تحتوي عليها بعض خزائنها، والوضعية المادية التي توجد عليها، لا تدعو إلى الاطمئنان. فهي بحاجة إلى الاعتناء بها، وخدمتها خدمة علمية، ليستفيد منها الباحثون من النشء الجديد.

ولا نرى حتى الآن محاولات جادة في مجال علم المخطوط الذي خطت فيه كثير من الدول الغربية وبعض الدول العربية خطوات هامة، ويبدو – حسب علمي – أن أول عمل جامعي في هذا المجال، هو الأطروحة التي دافع عنها أحد الباحثين الليبيين في جامعة الإسكندرية عام 2007 م. ومن يقرأ فيها، يجد أنها سرد تاريخي، ووصف متواضع لبعض الأرصدة المحفوظة في عدد من المكتبات الليبية، معظمها في الفقه والتصوف، وما فيها من النوادر قليل، بالنسبة لما تحتفظ به باقي دول شمال إفريقيا.

أما من حيث مواد الكتابة، فالسيادة تبقى لمادة الكاغد، وقليلا ما نجد مخطوطات على الرق الذي كان المادة المعتمدة للنساخة في العصور الإسلامية الأولى. وندرة المخطوطات الرقية تدل على ندرة الخط الكوفي، لارتباط استعمال هذا الأخير بالرق. ومعظم المخطوطات العربية في ليبيا كتبت بخط النسخ، الذي ساد في العصور المتأخرة في البلاد العربية.

المغرب

أما في المغرب، فإن الحضارات التي عرفها عبر الزمن، والتطورات السياسية والفكرية والثقافية التي طبعت تاريخه الكبير، قد خلفت تراثا مخطوطا غنيا، وجعلته منذ القرن التاسع عشر للميلاد أغنى دول شمال إفريقيا في مجال المخطوطات، بل كان كعبة البعثات العلمية، وملجأ العلماء الباحثين في الكتاب المخطوط، باعتباره البلد العربي الوحيد تقريبا الذي لم يخضع للنفوذ العثماني، ولم تطأ أرضه قدم المستعمر. ويصنفه العلماء أكبر هذه البلدان حفاظا على نوادر المخطوطات ونفائسها، بحيث يرجع بعضها إلى العصر الإسلامي الأول، كالمصحف الكوفي المنسوخ على رق الغزال في أوائل القرن الثاني للهجرة، وهو من مدخرات الخزانة الحسنية.

تعالج الكتب المغربية المخطوطة القديمة معظم المعارف التي عرفها المجتمع الإسلامي في المشرق كالتفسير، والقراءات، والإعجاز، والحديث الشريف، واللغة، والنحو، والأدب. ولم تظهر كتب الفلسفة والتصوف والطب وما مثل هذه العلوم إلا في العصر الموحدي، الذي عرف تفتحا ملحوظا في الإقبال على هذه المعارف، على عكس ما عرفه المغرب على عهد سلاطين دولة المرابطين الذين كانوا أشد ارتباطا من غيرهم بكتب الفروع.

ومنذ القرن السابع للهجرة، عرفت الجوامع العتيقة، كالقرويين، وابن يوسف، علماء درسوا الرياضيات، وعلم الحساب، والفلك، وغيرها، من العلوم. إن تدريس هذه العلوم يعتبر تطورا كبيرا في البحث والتأليف. فقد عمل صناع القرار في تلكم الحقبة على تقريب العلماء وإرسال البعثات بحثا عن كتب العلم، شراء واستنساخا، كما عملوا على تشجيع عملية التأليف والترجمة. وخير دليل على هذا تلكم الجهود التي قام بها أبو يعقوب يوسف الموحدي، الذي دعا ابن رشد الحفيد إلى العمل على ترجمة وشرح مؤلفات أرسطو، فنشأت حركة علمية كان لها أكبر الأثر في التطور العلمي والتأليفي في المغرب. وتكفي نظرة في المجموعات الخطية التي ما زالت تحتفظ بها كبرى خزائن الكتب، كالخزانة الحسنية، والمكتبة الوطنية، والقرويين، وابن يوسف، وخزائن كتب الزوايا، للتدليل على هذه الحركة العلمية التي عرفها المغرب.

إن الكشافات والفهارس التي وضعت لهذه المجموعات في العصر الحديث، ليس من شأنها أن تعيد الوجه المشرق الذي عرفته الحضارة المغربية في تلكم العصور. إن ما بقي من مخطوطات الزوايا والمدارس القديمة ومكتبات الجامعات العتيقة أقل بكثير مما كان متداولا فيما قبل. فقد امتدت الأيدي الغاشمة إلى هذه الكنوز بالإبادة والإحراق والسرقة، مثلما صنع القراصنة الإسبان بمكتبة الأمراء السعديين التي آلت إلى قصر الإسكوريال بعد اعتراض سفينة كانت تحملها بعرض المحيط الأطلسي. وما زالت مجموعات أخرى خاصة وعامة، في مختلف جهات المغرب، تخفى عن الأعين، يضن بها أصحابها بدعوى أنها إرث يجب الحفاظ عليه. وكل المساعي التي تهدف إلى نفض الغبار عنها وعلاجها والاستفادة منها سواء من طرف الأشخاص أو المنظمات، وطنية كانت أو دولية، قد باءت بالفشل.

وللتدليل على ذلكم الإرث الحضاري والثقافي الغني الذي عرفه المغرب قديما، فقد ارتأينا أن نتحدث بإيجاز عما ضاع من هذا التراث، وعما بقي من كنوز استطاعت الحفاظ عليها بعض المؤسسات العلمية. ونبدأ بالحديث عن المصحف العثماني الذي وصلت نسخة منه إلى الأندلس، ومنها إلى المغرب. يروي ابن خلدون في “العبر”، أن إحدى النسخ الخمس من المصحف الإمام، التي وزعها الخليفة عثمان رضي الله عنه على الأمصار، ولعلها نسخة الكوفة، قد انتهت إلى قرطبة بالأندلس. وعلى عهد الموحدين، آلت هذه النسخة إلى مراكش بهالة من التقديس والاعتبار. يبدو أن هذا المصحف قد ضاع مما ضاع من الكتب، عندما غرقت السفينة التي كانت تحمل أبا الحسن المريني في عودتها إلى المغرب في القرن الثامن للهجرة.

ومن المصاحف العتيقة التي ازدانت بها خزائن الكتب في المغرب، مصحف نسخ عام 47 هــ عن المصحف العثماني، فقد بقي محفوظا في المغرب إلى القرن الثاني عشر للهجرة، حيث وقفه السلطان المولى عبد الله العلوي على المدينة المنورة، ضمن مجموعة من الكتب. وبالرغم من فقدان المغرب لهذين المصحفين الشريفين، فإن الخزانة الملكية ما زالت تحتفظ بمصحف كوفي مكتوب على الرق، ويرجع حسب المختصين إلى بداية القرن الثاني للهجرة، كما أن بعض الخزائن ما زالت تفتخر بقطع وأجزاء قرآنية نسختها أنامل مجموعة من الخلفاء والسلاطين، كالأجزاء القرآنية التي كتبها الخليفة الموحدي عمر المرتضى بخط يده.

ومما يدل على اهتمام المغاربة بتراث المشرق، فقد تم اكتشاف نوادر في القرويين وفي بعض الزوايا، كان لها الوقع الكبير في الثقافة الإسلامية.

وفي ثلاثينيات القرن الماضي، اكتشفت أقسام من سيرة ابن إسحاق (ت. 151 هـ) في خزانة القرويين، وتعتبر حتى الآن النسخة الوحيدة في العالم. وقد أدى إلى إهمالها من طرف العلماء تهذيب ابن هشام الذي أصبح متداولا في المجتمع الإسلامي. وقد عمل العالم الباكستاني حميد الله (ت. 2002 م) على نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

وفي إحدى زوايا جنوب المغرب (بزو)، تم اكتشاف النسخة الوحيدة والفريدة من كتاب “البرصان والعميان والعرجان والحولان” للجاحظ. لقد عمل الباحثان المصريان الخولي وعبد السلام هارون على نشرها كل على حدة في ثمانينات القرن الماضي، وما زالت المكتبة الوطنية بالرباط تحتفظ بهذه التحفة النادرة.

وبالإضافة إلى هذه النوادر، تمتاز خزائن الكتب بالمغرب بالحفاظ على مخطوطات باللغتين اليونانية واللاتينية مترجمة إلى اللغة العربية. وإن لم نقف اليوم على هذه النوادر، فإن مجموعة من الباحثين الغربيين والمؤرخين في القرن التاسع عشر، أمثال بوميي (Beaumier)، وكودار (L. Godart)، وبنيو (G. Peignot)، أشاروا إلى وجودها في المغرب. ويغلب على الظن أنها محفوظة في إحدى المجموعات الخاصة، أو فيما لم يفهرس بعد من مخطوطات المكتبات العمومية. وإذا لم تفلح بعثات أوروبية في الوقوف على هذه الكتب خلال القرن التاسع عشر، فإن البحث عنها لم يتوقف، بل استمر علماء ومستشرقون من أهل الخبرة والاختصاص في البحث عنها، عملا بشهادة من سبقهم من العلماء بوجودها في المغرب.

كان المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال المتوفى عام 1956 م أول من اهتم بالبحث عن هذه النوادر، سواء في خزائن الكتب بالمغرب، أو في مكتبة الإسكوريال في ضواحي مدريد، وهي كما هو معروف خزانة ملكية سعدية، آلت إلى الإسكوريال بعد اختطافها على يد القراصنة الإسبان في عرض المحيط الأطلسي عام 1612 م. وكان “بروفنسال” يبحث عن عشريات المؤرخ الروماني في القرن الأول قبل الميلاد تيتوس (Decades de Tite Live)، التي يعتقد أنها نقلت جزئيا أو كليا إلى العربية واستفاد منها ابن خلدون (ت. 806 هـ) في وضع تاريخ “العبر”، خاصة فيما يخص معركة “كان”[5] « Cannes” عام 216 ق.م، التي جمعت الرومان برئاسة فارون Varon بالقرطاجيين بزعامة هانيبال (Hannibal)، وانتهت بسحق هذا الأخير لجيوش الرومان.

وما زالت خزائن الكتب بالمغرب تحتفظ بمجموعات هامة بأقلام علماء إفريقيا الغربية، التي كان يطلق عليها السودان المغربي. إن حوالي ثلاثين كتابا للعلامة الكبير أحمد بابا التنبكتي المتوفى عام 1036 هـ، ما زالت تزخر بها خزائن الكتب بالمغرب، كل كتاب توجد منه نسخة أو أكثر. نذكر من كتب هذا العالم الكثيرة التداول قديما وحديثا “كفاية المحتاج” و “نيل الابتهاج”، وكلاهما مختصر لكتاب “الديباج المذهب” لابن فرحون. وقد أنهى أحمد بابا كتابه “كفاية المحتاج” بترجمة ذاتية ومسرد لمؤلفاته[6]. أما الكتاب الثاني، فهو “معراج السعود” الذي هو عبارة عن مجموعة من الأخبار الهامة، تتعلق بقبائل السودان المغربي وعلاقتها بالإسلام. وقد تفضل باحثون مرموقون بالبحث في السيرة الببليوغرافية لأحمد بابا، نذكر منهم  الباحث “المالي” الزبير، الذي نشر كتابا بيو-ببليوغرافيا عن هذا العالم بالفرنسية منذ ستينات القرن الماضي.

بالإضافة إلى كتب أحمد بابا، تحتفظ مكتبات المغرب بحوالي ثلاثين مؤلفا للشيخ المختار الكنتي[7] التنبكتي، المتوفى بأزواد عام 1811 م، وبمجموعة من مؤلفات ابنه وحفيده.

لقد أسهمت هذه الأعمال العلمية في فهم التوجيه الديني والثقافي، وما كان يدور من خلافات فكرية وعقدية بين العلماء في هذه المنطقة من إفريقيا الغربية. فمن يقرأ في كتاب “جذوة النوار” للمختار الكنتي، يجد أنه تعرض بالنقد اللاذع لعالمين موريتانيين، أحدهما ابن بونة اتهمه بالزندقة، وثانيهما ابن حبيب الله الذي انتقد الإمام مالك، واعتبره واحدا من العلماء الذين أفتوا بدون اجتهاد.

إن الباحث في محتويات هؤلاء الأفارقة، قد ينتهي بعد قراءة مؤلفاتهم إلى أنها قد عالجت معظم العلوم والمعارف الإسلامية، كالتفسير القرآني، والحديث النبوي، والنحو، والصرف، والتصوف، والتاريخ، والتراجم، وغيرها.

وتضم هذه الكتب الشروح، والحواشي، والمؤلفات التربوية، ومعظمها مرتبط بالثقافة العربية الإسلامية شرقيها وغربيها. بالإضافة إلي هذه المؤلفات، فإن خزائن المغرب تضم في ثناياها مجموعة هامة من المخطوطات العربية منسوخة بأيادي الأفارقة، كرسالة ابن أبي زيد القيرواني (ت. 384 هـ)، وصحيح الإمام البخاري (ت. 256 هـ)، وصحيح الإمام مسلم (ت. 261 هـ)، وشفاء القاضي عياض (ت. 544 هـ). وبعض نسخ هذا الكتاب الأخير نسخ خزائنية، كتب برسم خزائن أمراء أفارقة. ويوجد بالمكتبة الوطنية بالرباط نسخة خزائنية من كتاب “المحكم في اللغة”[8] لعالم الأندلس في القرن الخامس للهجرة ابن سيده، نسخت في تنبكتو في القرن العاشر للهجرة. إن هذه النسخة دليل على عناية العلماء والأمراء باللغة والثقافة العربيتين في السودان المغربي. ومما يتميز به هذا المخطوط، أنه خضع لما يسمى بالتنسيخ الجماعي (La Pecia)، نسخه نساخ ثلاثة. وقد ظهرت هذه الطريقة في النساخة مع ظهور الجامعة في أوروبا في القرن الثالث عشر للميلاد، الغاية منها حرص الجامعة على نسخ أكبر عدد ممكن من النسخ، ينسخها جماعة من النساخ في أسرع وقت، لإرضاء رغبات الطلبة الذين يتزايد عددهم يوما عن يوم، ولإبراز نصوص خطية قليلة الخطأ تخضع لمراقبة وتصحيح الجامعة[9].

ومن المؤكد أن مكتبات أخرى في مناطق كانت تعتبر مغربية قبل أن يفصلها الاستعمار عن المغرب في بداية القرن العشرين، مثل موريتانيا، وتوات، والقنادسة، وغيرهم، تضم مجموعات من الكتب السودانية، لم يتم حتى الآن الوقوف عليها وفهرستها. وقد بدأ انتشار هذه المخطوطات في هذه الجهات منذ العهد السعدي، لما تم انضمام مجموعة من بلاد السودان إلى المغرب، مثل “مالي” وسلطان “بورنو”، وغيرهما، واستقدام عدد من كبار العلماء إلى البلاط السعدي، أمثال أحمد بابا التنبكتي، الذي كانت له حظوة كبيرة لدى المغاربة[10]. وقد ساعد كذلك على انتشار هذه المؤلفات، إنشاء ملاحق للزاوية المختارية القادرية في مختلف المدن المغربية، وقد احتضنت هذه الزوايا الفقراء من مختلف فئات المغاربة، كالعلماء، والوزراء، والحكام، والقضاة، وغيرهم. وكان لكل زاوية خزانة كتب تجلب مؤلفات علماء السودان، لإطلاع مريدي الطريقة المختارية الكنتية عليها[11].

ولم يكن السودان المغربي مصدر كل مؤلفات علماء السودان المحفوظة في المغرب، بل كثير من هذه الكتب وصل إلى المغرب عن طريق المشرق، لأن كثيرا من علماء إفريقية الغربية انتقلوا إلى المشرق في رحلات علمية وحجازية وغيرها، وتركوا مؤلفاتهم في المغرب، أو بعثوها لما استقروا في البلاد الشرقية.

إن الباحث في الجوانب الباليوغرافية والكوديكولوجية للكتاب العربي المخطوط في المغرب، يجد أن الخط السائد في النسخ هو الخط الكوفي، الذي سمي بالخط الأندلسي في الأندلس، وبالخط المغربي في المغرب، وبالخط الإفريقي أو السوداني أو السوقي في إفريقية الغربية. والتشابه واضح فيما بينها، لأنها من أصل واحد. أما مادة الكتابة، فكان الرق أولا، ثم تلاه الكاغد العربي، وبعده الورق الأوروبي، لما توقف العرب عن صنع الكاغد في بلدانهم. وحسب القلقشندي في كتابه “صبح الأعشى”، فإن المغاربة قد استمروا في استعمال الرق مادة للنساخة إلى القرن التاسع للهجرة، بالرغم من منافسة الكاغد له. خصوصا في نساخة المصاحف القرآنية. وقد كان للجلد المغربي حظوة خاصة لدى الغربيين (Maroquin)، بحيث كانوا يفضلونه على الجلد المشرقي، فكانوا يبعثون مراسليهم إلى المغرب لاقتنائه.

أما الزخرفة والنمنمة، فقد كان للمخطوط المغربي طابع خاص، من حيث الفن والإبداع، يمتاز به عن المخطوط المشرقي.

وضعية الكتاب المخطوط في دول جنوبي الصحراء

فلننظر الآن في وضعية الكتاب المخطوط في دول جنوبي الصحراء، سواء كان باللغة العربية أو بإحدى اللغات السودانية التي كتبت بالحرف العربي، كالهاوسا، والسواحلية، والولوف، وغيرها.

ظهور الكتاب العربي في إفريقيا الغربية مرتبط بظهور الإسلام الذي استقر في هذه الربوع بعد القرن السادس للهجرة. وقد انتشر الدين الإسلامي في إفريقيا الغربية عن طريق التجارة، حيث كان التجار المسلمون يتعاملون مع ملوك إفريقيا السوداء. وأول من أسلم منهم ملك التكرور على ضفة نهر السينغال. وقد كان مذهب هؤلاء التجار في البداية هو مذهب الصفرية أو الإباضية من الخوارج[12]. فلما جاء المرابطون الصنهاجيون، نشروا المذهب المالكي في هذه الديار، فترتب عن ذلك اهتمام علماء السودان بدراسة آثار هذا المذهب، فوضعوا شروحا وطررا وحواشي على رسالة ابن أبي زيد القيرواني المتوفى عام 384 هـ، وعلى مختصر الشيخ خليل المتوفى عام 776 هـ، ونظموه مرارا. وكان اهتمامهم أول الأمر بالقرآن الكريم، وبما يدور حوله من علوم، كالتفسير، والحديث، واللغة، وغيرها. وبعد ذلك، بدأ اتصال علماء السودان المغربي بعلماء المغرب ومصر، خلال زياراتهم لهذه البلدان، أو أثناء رحلاتهم إلى الديار المقدسة، فكانت اللقاءات العلمية والاستجازات والفتاوى، فأدخلوا كتب المشارقة المتعلقة بهذه المعارف، وأسسوا المراكز العلمية منذ القرن التاسع للهجرة في “ولاته”[13] في موريتانيا، وكانوا في نيجيريا، و”تمبكتو” في مالي، التي كانت أهم هذه المراكز كلها حين زارها الحسن الوزان الغرناطي الفاسي في القرن العاشر من الهجرة النبوية، ووصفها وصفا دقيقا في كتابه “وصف إفريقيا” حيث يقول: “إن هناك الكثير من القضاة والعلماء، وتجلب إليها من المغرب كتب مخطوطة تباع بأغلى الأثمان”[14].

بالإضافة إلى المخطوطات التي جلبها العلماء من المشرق، فقد كان للنساخة دور كبير في إغناء مكتبات دول جنوب الصحراء. ومعظم المخطوطات تم نسخه في القرن التاسع عشر للميلاد. أما ما نسخ قبل هذه الفترة فقليل[15]. وكانت النساخة تتم عن اتفاقية بين الناسخ والضابط المنسوخ له، بحيث كان الناسخ يعطى الورق وكمية من الذهب، عندما يتم إنجاز العمل. ويعطى الضابط الذي يراجع ويصحح نصف الحصة من الذهب. وهي طريقة تكاد تتفرد بها دول إفريقيا الغربية[16].

إن معظم ما كتبه علماء السودان المغربي ونساخه، ما زال مخطوطا. وهذه المخطوطات متفرقة في خزائن خاصة وعامة في جنوبي الصحراء، والمغرب، ومصر، وفي بعض البلدان الأوروبية، كفرنسا وإنجلترا.

ولنتساءل الآن: إلى أي حد اهتم ذوو الاختصاص بما أنجزه أهل هذه المنطقة؟

يكاد يجمع الباحثون على أن التراث المخطوط العربي الإفريقي كان محط إهمال وتهميش من طرف الباحثين من علماء العرب والمستشرقين، أو من طرف المهتمين بالدراسات الأركيولوجية أو الإثنولوجية. إن الأسئلة حول المعطيات الكوديكولوجية، كالوعاء، ومادة الكتابة، والصناعة والصيانة، والفهرسة، وغيرها، لم تطرح إلا في العقود الأخيرة.

إن هذا التهميش الذي شمل التراث الإفريقي المخطوط جنوبي الصحراء، قد أدى إلى ضياع مجموعات كبيرة عن طريق عدد من العوامل، كالسرقة، والإحراق، والإبادة، وغيرها. وعلى الرغم من هذا الضياع، ما زالت عدة مكتبات تحتفظ بأرصدة ضخمة بدأ الاهتمام بها، سواء من طرف الحكومات بعد استقلال هذه الدول، أو من طرف المنظمات الخاصة والمراكز العلمية، التي أخذت على عاتقها إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه المجموعات الخطية. إن اللوائح والفهرسات الأولى التي وضعت لهذه الخزائن، قد أسفرت عن تراث مخطوط هام، جلب من المشرق والمغرب، أو ألف ونسخ من طرف علماء المنطقة، عربيا كان أو مكتوبا بالحرف العربي.

وإذا أخذنا مثلا حالة منطقة “كاوو”، وهي دولة “مالي” حاليا، حيث نجد الآثار الأولى للكتابة العربية ليس على الرق أو الورق، ولكن في شواهد قبور الوجهاء والملوك، فإن الباحثين قد عثروا على عشرات الآلاف من المخطوطات الأصلية، ألفها العلماء، وهي عبارة عن وثائق نادرة عن الحياة السياسية والاجتماعية في السودان المغربي، يرجع أقدمها إلى القرن السادس عشر للميلاد في عهد مملكة “صونغاي”.

إن تاريخ حياة أمراء هذه المملكة، قد نجده في كتابين هامين هما: “تاريخ الفتاش” لمحمود كاتي، و”تاريخ السودان” لعبد الرحمن السعدي الذي أتمه في أواسط القرن السابع عشر للميلاد في تنبكتو. وقد خصص أحمد بابا التنبكتي العلوم الإسلامية، والذين اشتغلوا بها من علماء المالكية في السودان المغربي، بكتابين هما: “نيل الابتهاج” و”كفاية المحتاج”، باعتبارهما ذيلا على “الديباج المذهب” لابن فرحون. من خلال هذه التراجم، تناول أحمد بابا التاريخ الثقافي بالسودان المغربي. كما تناول الحديث عن مناهج الدراسة في المساجد والمدارس، وعن المكتبات الملحقة بها، وكذلك خزائن كتب الأمراء الخاصة، وما تحتويه من نفائس المخطوطات التي جاء بها علماء السودان من المشرق.

ويضاف إلى هذه المؤلفات، التي تناولت الحياة الثقافية في السودان المغربي، خصوصا في القرنين السادس عشر والسابع عشر للميلاد، كتاب “تذكرة النسيان” لمجهول ألفه في القرن السادس عشر، أبرز فيه الحضور المغربي في إفريقيا الغربية.

وقد ازدهرت الحياة الثقافية، سواء باللغة العربية أو باللغات الإفريقية، ابتداء من القرن السابع عشر، حيث عرفت هذه المنطقة نشاطا واسعا، أسفر عن إنتاج علمي هائل. وكان للزوايا الدينية دورها الكبير في تطوير الثقافة العربية الإسلامية، حيث ظهرت أسماء لامعة، وضعوا المؤلفات بالعربية وباللهجات الإفريقية، أمثال الكنتي أسرة “فولبي”، وغيرها.

وكان من أوائل من اهتم بنشر جزء من هذا التراث مستشرقان فرنسيان كبيران هما: الإثنولوجي واللساني موريس دولافوس (M. de la Fausse) (ت. 1926) والمستعرب اللامع أوكتاف هوداس (ت.1916) O. Houdas. فقد بذل هذان العالمان جهدا كبيرا في التعريف بهذا التراث ونشره في مختلف جهات العالم. فلننظر الآن في الجوانب الباليوغرافية والكوديكولوجية لهذا التراث، وفي الجهود التي بذلتها مختلف الفئات العلمية من منظمات دولية ومراكز علمية ومؤسسات أهلية، من أجل جمع هذا التراث والعناية به.

لا بد من التذكير من أنه لم تكن هناك على عهد الحماية والاستعمار سياسة لجمع هذا التراث وصيانته وحفظه من الضياع، بل إن الأجانب من الغربيين، قد أساؤوا إلى هذا التراث، حيث أحرقوا بعضه، واستولوا على البعض الآخر، وحملوه إلى الغرب. وأسهم المناخ الحار، وموجات الجفاف المتوالية في إبادة الكثير من المخطوطات، حيث اضطر النازحون فرارا من الاستعمار إلى دفن المجموعات تحت الرمال، أو تسليمها للذين قرروا المكوث في الصحراء، رغم قساوة الطبيعة. وما زالت كثير من الجهات تحتفظ في مالي، خاصة في تنبكتو، بهذا التراث الذي أخفاه الجدود، ويضنون به على العلماء، لنشره والاستفادة منه خوفا من تكرار ما حدث على عهد الاستعمار.

لهذا كانت المهمة الأولى للباحثين عن التراث المخطوط في دول السودان المغربي، هي تحسيس مالكيه بأهميته، وإقناعهم بالسماح لهم بجمعه، والعناية به، وفهرسته، ونشره. وقد قام بالمبادرات الأولى في هذا المجال علماء أفارقة ينتمون إلى مختلف هذه الدول، همهم الأول والأساس، هو جمع التراث ووضعه في مكان آمن يخضع لمتطلبات الصيانة الحديثة. وقد تلاهم في هذه المهمة المنظمات الدولية، كان على رأسها منظمة “اليونسكو” التي بادرت إلى تنظيم لقاء للخبراء في تنبوكتو، يحددون خلاله كيفية الاستفادة من هذه النوادر الخطية، في وضع تاريخ لإفريقيا الغربية. وقد تمخض هذا الاجتماع على إنشاء مركز جهوي للتوثيق والبحث التاريخي في النيجر، مالي، وبوركينافاسو. وهو المركز الذي أسس في مالي باسم مركز أحمد بابا التنبكتي للتوثيق والبحث.

وقد حددت مهام المركز فيما يلي: جمع التراث المخطوط، تصوير الوثائق بالعربية أو باللهجات الإفريقية، تصنيفها وحفظها حسب القواعد الحديثة للحفظ والصيانة. ومن مهامه كذلك، إبراز أهمية هذه الوثائق في التعريف بالثقافة الإفريقية، والعمل على تطوير الثقافة العربية الإسلامية في تنبكتو[17]، التي كانت منذ أمد بعيد من أنشط المراكز الثقافية، ثم جعل هذا المركز نقطة تبادل المعلومات، مفتوحا للباحثين من جميع البلدان، خصوصا الذين يهتمون بالحضارات والثقافات الإفريقية.

وفيما يخص المواد التي استعملت للكتابة في جنوبي الصحراء، فإن دراسة جزء من المجموعات الخطية التي تم جمعها من مختلف الجهات، أكدت أن الكاغد كان المادة الأساس للكتابة.

متى؟ وكيف؟ وماهي الطرق التي سلكها الكاغد في طريقه إلى إفريقيا الغربية؟

لم تفصح المصادر العربية والإفريقية عن أي خبر نستشف منه دخول الكاغد إلى إفريقيا السوداء، ولم نعثر على أية وثيقة قد تشهد بصناعته في هذه الربوع. ولم نجد ذكرا لهذا الموضوع عند السعدي والفتاش السالفي الذكر. كل ما هنالك، أن الحسن الوزان الغرناطي الفاسي، قد تحدث عن تجارة المخطوطات في تنبكتو في القرن السادس عشر للميلاد، في كتابه “وصف إفريقيا”، كما ذكر الباحث “كونستا هامس” Constant Hamès، أن الباحث بوجار Beaujard ذكر خبر صناعة الكاغد في “مدغشقر”. وهو خبر لا تؤكده الوثائق التاريخية. ويمكن القول إن الكاغد وصل إلى جنوبي الصحراء عن طريق المغرب، منذ القرن السادس عشر للميلاد، وذلك من خلال التبادل التجاري بين أوروبا والبلدان الإفريقية، بما فيها المغرب[18]. وهو كاغد أوروبي يحمل العلامة المائية، لأن معظم معامل صناعة الورق في الدول العربية في ذلك الوقت كانت قد توقفت عن العمل. وأصبح العرب أنفسهم يستوردون هذه المادة من أوروبا، وخاصة من إيطاليا التي تراعي الطقوس الدينية الإسلامية في الصور التي تحلي بها الكاغد. والعلامة المنتشرة هي علامة الأهلة الثلاثة[19].

يبقى الكاغد الأوروبي إذن المادة الأساس للكتابة في دول جنوبي الصحراء، منذ القرن السابع عشر للميلاد. وقد وجدت بعض القطع الرقية الإفريقية النادرة، تم اكتشافها في هذه الربوع، تعود إلى العصر الوسيط.

أما التفسير، فنادرا جدا، وتمت الإشارة إلى أن معظم المخطوطات غير مجلدة. وقد اهتدى أهل المنطقة إلى صنع أغلفة من الورق الثخين، لحفظ الكتب من العفونة والاندثار، اعتبروها نوعا من التجليد. وقد يضم الغلاف الواحد مجموعة من المخطوطات أو الكنانيش.

وعلى مستوى الخطاطة وأنواع الخطوط المستعملة في الكتابة في السودان المغربي، فإن هذا الموضوع لم يكن محط اهتمام الباحثين، بالرغم من أهميته في دراسة الجانب الباليوغرافي للتراث المخطوط بهذه الربوع، ولم تجد الأسئلة المطروحة في هذا المجال الأجوبة العلمية الشافية. فقد أكد ابن خلدون في “المقدمة” الأصل الأندلسي لهذه الكتابة، اعتمادا على ما وقف عليه من مصاحف قرآنية نسخت بالخط الأندلسي منسوبة إلى الصحراء. بينما يلاحظ العالم الإنجليزي “بيفار” (Bivard) في مقال نشره بعنوان: “الخط العربي في إفريقيا الغربية”، أن ضروب الخط الإفريقي ترجع إلى أصلين:

  • أولهما: الخط الإفريقي، وهو الخط القيرواني في شمال إفريقيا، الذي استمد أصوله ومقوماته من الخط الكوفي القديم، وهو أقدم خط وصل إلى المنطقة.
  • وثانيهما: الخط الأندلسي الفاسي، وصل عن طريق النساخ الفاسيين. وهو خط – حسب (Bivar) – قريب من الخط المغربي المعتاد، وقريب من النسخي أكثر منه إلى الكوفي. وقد تمخض هذا عن الخط الذي سمي بالخط السوداني، والخطان معا يشتركان في كثير من الخصائص[20].

إن نظرة فاحصة للتراث الإفريقي المخطوط، تجعلنا نشارك العالم الإنجليزي بيفار (Bivard) رؤيته في الموضوع. فباستثناء المخطوطات التي جاءت من الشرق أو المغرب، مكتوبة بالكوفي أو النسخي أو المغربي، فإن المخطوطات العربية، أو التي استعار الحرف العربي، فإنها نسخت بخط يرجع في خصائصه الكبرى إلى الخط الكوفي الشرقي. وقد تختلف كتابات اللهجات الإفريقية في طريقة نسخ الحروف، بحيث نلاحظ أن حروف كتابة الفولانيين (Peuls) مدورة، وحروف “الولوف” (Wolof) في السنيغال غليظة، وأن حروف لغة الهوسا كبيرة. بينما أضفت الكتابة السواحلية[21] طابعا خاصا على الحرف العربي، فدعيت كتابتها بالكتابة السوقية (أنظر النماذج في آخر البحث).

أما أدوات الكتابة المستعملة في جنوبي الصحراء، فعندهم القلم التقليدي الذي يصنع محليا من خشب الخيزران[22]. أما الحبر فكان يصنع قبل القرن العشرين من نباتات محلية. واللون السائد المتداول للكتابة هو الأسمر، أو الأسمر المائل إلى الأسود. ويستعمل الحبر الأحمر لكتابة العناوين وأسماء الأعلام، كما يستعمله العلماء في الحواشي والطرر، وفي شرح النصوص التعليمية والتربوية الخاصة بالفقه والنحو. ولكثرة استعمال الحبر الأحمر، ترتب عنه خلق مصطلح “الاحمرار” الذي يطلق على الطرر والحواشي والتعليقات، التي يضيفها العلماء إلى النصوص الأصلية، كالاحمرار الذي وضعه النحوي الكبير الموريتاني ولد بونة الجكني على ألفية ابن مالك. وخصوا الحبر الأصفر أو الذهبي لكتابة المصاحف القرآنية الشريفة[23]. واليوم، فإن الحبر أو المداد يستوردان إلى هذه البلاد الإفريقية من أوروبا، ويكاد ينعدم صنعه محليا.

وبالرغم مما قيل في شأن النساخة وأدوات الكتابة من أقلام وأحبار وأمدة، فإن الموضوع ما زال بحاجة إلى البحث الجاد العميق، والتحليل العلمي الكبير، في محاولة للإجابة عن جميع الأسئلة المطروحة في هذا المجال، وفي هذه الربوع. وقد حاولنا تناول هذا الموضوع الذي ما زال بكرا من خلال نموذجين كبيرين هما: دولة “مالي”، و”مركز أحمد بابا التنبكتي”[24]، لغناهما بالمخطوطات، ولإبراز الجهود المبذولة من طرف حكومات المنطقة من جهة، ومن طرف المنظمات الدولية والجمعيات الخاصة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا التراث من جهة أخرى. وقد سارت على منوال الجهود المبذولة في مالي عموما، وتنبكتو خصوصا، دول أخرى مجاورة، كموريتانيا[25] التي أنشئ فيها المركز الموريتاني للبحث العلمي (IMRS) عام 1975 م، وكان أول أهدافه تحديد مواقع المخطوطات، ومحاولة جمعها من مظانها، ووضعها في المركز لمعالجتها، وفهرستها، وجعلها رهن إشارة الباحثين.

وأهم الجهود التي بذلت في فهرسة هذه المخطوطات التي تم جمعها بمبادرة من حكومات هذه الدول، وبإسهام من المنظمات الدولية كاليونسكو وغيرها، تلكم التي قامت بها مؤسسة الفرقان التي انتدبت المختصين من عدة جهات، لوضع الفهارس العلمية. فاعترافا بالجميل لذويه، ارتأينا أن نشير إلى بعض الفهارس التي وضعتها مؤسسة الفرقان، مع إبراز ما أسدته من خير، وما قدمته من مساعدة لأهل الاختصاص من علماء التحقيق. وأبرز هذه الأعمال، فهرس مخطوطات مركز أحمد بابا للتوثيق والبحوث التاريخية بتنبكتو بمالي، أنيطت مهمة وضعه بمجموعة من المفهرسين. إن أجزاءه الخمسة قد وصفت تسعة آلاف مخطوطة (9000)، كتبت بالعربية والتركية واللغات الإفريقية كالهوسا والفلاني. ومن حيث محتوياتها، فتشمل شتى أنواع الفنون العلمية والمعارف الدينية، كعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والفقه، وأصوله، وعلوم النحو، واللغة، والتوحيد، والعقائد، والسيرة النبوية، والمديح، والتصوف، والمعاجم، ودواوين الشعر، والأدعية، والمأثورات.

ويشمل كذلك الكتاب كتب العلوم الطبيعية، والرياضيات، وعلم الحساب، والعلوم الغيبية كالسحر والأوفاق وعلم النجوم. وقد انتدبت الفرقان عبد القادر حيدرة محافظ مكتبة ممّا حيدرة بالمدينة نفسها بوصف مجموعتها التي تبلغ ثلاثة آلاف مخطوط (3000)، تعالج محتوياتها المعارف نفسها، كالقرآن وعلومه، والحديث، والأصول، واللغة، والشعر، والرياضيات، وغيرها. وتضم هذه الخزانة النسخة الوحيدة في العالم لكتاب “المرآة في السبع القارات” لابن رشيق المرسي، المتوفى في نهاية القرن السابع للهجرة[26]. وكلفت مؤسسة الفرقان عبد القادر حيدرة كذلك بوضع فهرس لمخطوطات المكتبة الزينية في بوجبيهة بمالي، التي تضم حوالي ألف مخطوط (1000)، يرجع أقدمها إلى القرن السادس عشر للميلاد. وقد كتبت معظم هذه المحتويات باللغة العربية، وكتب بعضها بلغات إفريقية، كالهوسا، والفلانية، والبربرية، تعالج في مجملها التوحيد، وعلوم القرآن، والفقه، واللغة، والنحو، والتصوف، والأذكار.

ولم تنحصر جهود مؤسسة الفرقان في مكتبات دولة “مالي”، بل امتدت هذه الجهود إلى دول إفريقية أخرى، كدولة “النيجر”، حيث كلفت الباحث حسن مولاي بوصف محتويات خزانة معهد الأبحاث في العلوم الإنسانية، التي تضم أربعة آلاف مخطوط (4000)، دوّن أغلبها بالعربية، جلبت من المشرق والمغرب، وألفت أخرى بلغات الهوسا والفلانية والبربرية، وضعها علماء هذه الربوع وكتبوها بالحرف العربي، وتضم – بالإضافة إلى المعارف الإسلامية – كتبا في الطب، وأصول القضاء، والتاريخ السياسي والاجتماعي لخلافة صكتو ودول غرب إفريقيا.

ومن النيجر إلى دولة ساحل العاج، حيث كلفت الفرقان بابا يونس محمد بفهرسة المخطوطات الإسلامية بدار الوثائق الوطنية. فقد وصف هذا الباحث 2257 مخطوطا، جُمعت من مكتبات خاصة وعامة في ساحل العاج، تغطي مجموعة من العلوم العربية، والمعارف الإسلامية، كالفقه، والتوحيد، واللغة العربية.

وأنيطت بهذا الرجل المهمة نفسها لوصف المخطوطات الإسلامية بمكتبات بوركينافاسو[27]، التي فاق عددها 1240 مخطوطا، جُمعت من اثنتي عشرة مكتبة عامة وخاصة. ومعظمها في الفقه، والتصوف، والنحو، والبلاغة، والأدب العربي. وتكمن أهمية هذا الفهرس في تسليطه الضوء على عظم الدور الذي قام به العلماء المسلمون في بوركينافاسو في نشر الثقافة الإسلامية في غرب إفريقيا.

ومن الجهود المباركة لهذه المؤسسة العلمية، فقد انتدب الباحث علي عبد المحسن زكي بمساعدة محمد بابا يونس لفهرسة مخطوطات ست عشرة مكتبة من مكتبات دولة غانا، معظمها مكتبات خاصة، معظم محتوياتها لمؤلفين من المغرب والأندلس وبعضها لعلماء محليين بلغات الهوسا والفلاني. وتغطي موضوعات العقيدة، والفقه، والتصوف، والتاريخ، والسياسة، وعلم الأوفاق، وتعبير الرؤيا، والطب، وغيرها.

وقد أشرف العالم الأمريكي جون هانويك على وضع فهرس لمخطوطات مكتبة جامعة إبادان بدولة نيجيريا، التي تضم 422 مخطوطا، والتي تبرز دور العالمين الجليلين في تطوير الدراسات الإسلامية بهذه الديار، وهما الشيخ عثمان دان فوديو، وأخوه عبد الله فوديو، ومعظم محتوياتها في المعارف الإسلامية[28]. ووضع هذا العالم الأمريكي كتابا بعنوان “تاريخ الأدب العربي في إفريقيا” (من ستة مجلدات، طبع منها حتى الآن أربعة).

يوفر المجلد الأول مسحا للمخطوطات الإفريقية، المكتوبة باللغة العربية في إفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى، وببليوغرافيا أعمالهم. وقام بذلك على غرار ما قام به كل من بروكلمان وسيزكين. يشكل هذا العمل أداة مرجعية أساسية لدراسة الكتابة العربية في وادي النيل، وفي شرق إفريقيا، وغربها، والقرن الإفريقي، من أقدم العصور حتى الوقت الحالي.

ويتعامل المجلد الثاني مع الأدب في إفريقيا الوسطى السودانية، أي المنطقة الواقعة بين جمهورية السودان الحالية لمالي، الجزء الأكبر من العمل يتعلق بنيجيريا، والتي أنتجت أعمالا ضخمة ومتنوعة، إضافة إلى دولة تشاد، والكامرون، والنيجر.

أما المجلد الثالث، فيغطي الجزء الأول منه الكتابات الإسلامية في شمال شرق إفريقيا العربية، واللغات المحلية العديدة، بما في ذلك الأمهرية، والتغرينية، والصومالية. أما الجزء الثاني من المجلد الثالث، فيغطي كلا من إريتريا، وإثيوبيا، وجيبوتي، والصومال، وكينيا وتنزانيا، على الرغم من محدودية الأدب الإسلامي في المنطقة.

أما المجلد الرابع، فيغطي الإنتاج العلمي والأدبي للمؤلفين من مالي، والسنغال، وغينيا، والنيجر، وغانا، من أقدم العصور إلى يومنا هذا.

وخلاصة القول، نؤكد ما قلناه سابقا: إن التراث المخطوط في جنوبي الصحراء، لم يحظ بعناية الباحثين من المستشرقين، ولم يولوه العناية نفسها التي خصوا بها التراث المخطوط في شمالي إفريقيا.

وبالرغم مما تم اكتشافه من مجموعات خطية في جنوبي الصحراء، فإنه ما زال في الزوايا خبايا، وأن المكتبات الخاصة ما زالت تخفي عن الأعين النوادر، التي لا نعرفها إلا بالعناوين[29]. ويُجمعُ الباحثون على أن الفهارس التي وضعت حتى الآن غير تامة، وتبقى ناقصة، ما دام البحث لم يشمل كل المناطق وكل القبائل التي لم تطأها أقدام الباحثين، بل إن ما اكتشف حتى الآن، وهو قليل، لم يكن من شأنه أن يسعف العلماء في البحث في الحياة الثقافية في جنوبي الصحراء في القرون الثلاثة الماضية، وحتى البحث الكوديكولوجي، الذي قد يمكننا من العثور على مفاجآت سارة تتعلق بتكوين المخطوط الإفريقي، لا يمكن القيام به ما لم يتم الوقوف على المزيد من أرصدة هذا التراث.

 

أحمد شوقي بنبين، مدير الخزانة الملكية بالرباط


الهوامش

[1]  ينبغي الإشارة إلى أن عدد لغات العالم التي استعارت الحرف العربي بلغت تسعا وعشرين ومائة لغة. وقد عاد بعضها إلى استعارة الحرف اللاتيني كما صنعت اللغة التركية في عهد أتاتورك.

[2] ما زالت بعض النتف منها محفوظة بإحدى خزائن الكتب بالقيروان.

[3] وضع المستشرق فانيان (Fagnan) أول فهرسة شاملة لمخطوطات المكتبة الوطنية الجزائرية عام 1893 وسماه: فهرس المخطوطات العربية والتركية والفارسية. ووضع محمد بن أبي شنب (ت. 1929) فهرسة الكتب المخطوطة المحفوظة في خزانة الجامع الأعظم بالجزائر العاصمة عام 1909 م. ووضع Cour فهرست مخطوطات مدرسة تلمسان عام 1907م.

[4] فهرس مكتبة زاوية الهامل: رينه باسيه، فلورنسيا، إيطاليا، سنة 1986.

[5] مدينة قديمة بإيطاليا، وليست مدينة Cannes الفرنسية.

[6] نشر الكتابان بالمغرب.

[7] هو مؤسس الطريقة الكنتية المختارية.

[8] جلب الورق الذي نسخ عليه هذا المعجم من ألمانيا أو هولندا في النصف الأول من القرن العاشر للهجرة.

[9] ظاهرة التنسيخ الجماعي قليلة في المشرق، فقد ورد أن “تاريخ دمشق” لابن عساكر (ت. 571 هـ) نسخه ثلاثة عشر ناسخا في ثمانين مجلدا، وقد كانت هذه الظاهرة مزدهرة في الزوايا المغربية.

[10] كانت لأحمد بابا مكتبة خاصة غنية، تضم أكثر من 1600 مخطوطة، وله أكثر من خمسين (50) تأليفا.

[11]  على العكس من هذا، قامت الزاوية التجانية التي أسسها أحمد التجاني (ت. 1815 م) في المغرب بنشر مؤلفات الطريقة في الزوايا التي أنشئت في السودان المغربي.

[12] سجلماسة كانت صفرية، وكان سكان تاهرت “عاصمة الرستميين” وجبل نفوسة في ليبيا إباضية.

[13] ولاته في موريتانيا حاليا من أكبر مراكز العلم ببلاد التكرور وشنقيط، يدرس فيها المذهب المالكي. وقد وضع أحد علماء ولاته معجما للعلماء والصلحاء بها، وهو محمد بن أبي بكر البرتلي “فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور”، ترجم فيه مائتين من العلماء الذين عاشوا هناك في القرنين الحادي عشر والثاني عشر للهجرة. وقد ذيله أحدهم بكتاب بعنوان: “منح الرب الغفور فيما أهمله صاحب فتح الشكور”. وهو ما زال مخطوطا، أما “فتح الشكور” فقد نشره العالمان إبراهيم الكتاني ومحمد حجي رحمة الله عليهما.

[14]  وصف إفريقيا: 159

[15]  كان المصدر الشفوي أساس الثقافة في العصور الأولى، يقول المفكر “المالي” “امباتي با”  Ampathè Ba: “إذا مات شيخ من الشيوخ، فإنها مكتبة احترقت”، لهذا فإن المخطوطات ما قبل التاسع عشر قليلة جدا.

[16] كان الكتاب المخطوط عبارة عن أوراق منفصلة من غير خياطة ولا تجليد، وهي غير مرقمة إلا في النادر، وكانت التعقيبة هي المعتمدة لترتيب الملازم. وعدم تجليد الكتب يؤدي إلى ضباع الأوراق الأولى والأخيرة، فيضطر الفقيه إلى وضع الكتب في غلاف من الجلد أو الورق الثخين.

[17] قال الباحث جون هانويك: تمبكتو تعتبر أهم منطقة في إفريقيا الغربية بالنسبة للتراث الإسلامي منذ القرن السابع للهجرة، وتضم اليوم أكثر من تسعة آلاف مخطوط.

[18] وقيل، أن الورق (الكاغد) وصل عن طريق القوافل عبر الصحراء، على ظهور الجمال، وأخيرا وصل عن طريق البحر. وكان يصدر أولا من أوروبا إلى إفريقيا الشمالية وليبيا، ومنها إلى تنبكتو، وإلى غيرها من البلاد السودانية، وهو ورق عادي جدا خشن، ولونه مائل إلى الأصفر أو الأسمر. ويضيف “جون هانويك” أن الورق المصري وصل بدوره إلى هذه الربوع.

[19] وقد يكتب أحيانا على الورق الأوروبي اسم الصانع ومكان إنتاجه.

[20] يقول بيفار (Bivard): الخط الأندلسي الفاسي كان للمجاهدين، سماه الخط الجهادي، وسمي الخط الذي جاء بعده، وسار على منواله بالخط التابعي، وسمي الخط الذي استعمل في كتابة اللهجات السودانية، والذي جمع بين الكوفي والأندلسي، بالخط العجمي. أنظر المقال المنشور في الموضوع عام 1968م.

[21] يبدو أن الكتابة السواحلية في طريقها إلى التخلي عن الحرف العربي واستعمال الحرف اللاتيني، على غرار اللغات الأجنبية الأخرى كاللغة التركية.

[22] يعتقد الأوروبيون أن “قلم” (Calame) لفظ يوناني (calamos) استعاره القرآن الكريم من اللغة اليونانية. وقد فاتهم أن اللفظ حسب المؤرخ اليوناني هيرودوت (Hèrodote) في القرن السادس قبل الميلاد من الألفاظ الفينيقية التي تسربت قديما إلى اللغة اليونانية، شأنه لفظ “دفتر” الذي يعني الجلد في اليوناني، وهو فينيقي الأصل.

[23] بالرغم من قلة الزخرفة أو انعدامها في المخطوط الإفريقي، فإن بعض المصاحف على ندرتها تحمل بعض الزخارف في أوراقها الأولى باللون الأصفر أو الذهبي.

[24] إسهاما منها في إنقاذ التراث المخطوط، الذي تصونه خزائن تنبكتو، أسست دولة جنوب إفريقيا بناية حديثة كبرى تضم كل المجموعات الخطية الموزعة في هذه المدينة العتيقة.

[25] في ثمانينات القرن الماضي، وضع العالم والمستشرق الألماني ربشتوك ( Ulrich Rebstock) فهرسا لمخطوطات موريتانيا، عالج فيه أكثر من مائتي مجموعة من الكتب المخطوطة في جميع جهات هذا البلد، وكان أول عمل فهرسي جاد يتوق إلى الشمولية نشر في القرن العشرين عن التراث المخطوط في موريتانيا. ويحضر العالم الأمريكي تشارلز ستيورت (Charles Stewart) من جامعة إلينوي بالولايات المتحدة عملا ضخما للمؤلفين الموريتانيين وأعمالهم، يغطي ما جاء في بروكلمان وتاريخ الأدب العربي في إفريقيا لهنويك، وما جاء في تاريخ الأدب الموريتاني لربشتوك، ومصادر خاصة من علماء موريتانيين، كالعلامة الموسوعي المختار ولد حاميدون وغيره.

[26] حصلنا على نسخة مرقمنة منه، وسينشر قريبا بعناية الأستاذ محمد بنشريفة الذي نشر كتابا عن السيرة الببليوغرافية لابن رشيق المرسي.

[27] بوركينافاسو هي دولة فولتا العليا سابقا (Haute Volta).

[28] امتدت جهود مؤسسة الفرقان إلى فهرسة مكتبات بالجزائر ومصر، حيث وصف جمال الدين مكتبة الشيخ أوالحبيب الخاصة في نواحي بجايا بالجزائر. كما كلف يوسف زيدان بفهرسة مخطوطات بلدية شبين الكوم بمصر وتضم حوالي 282 مخطوطة معظمها في علوم العربية والدراسات الإسلامية. تمتاز هذه المكتبة بكتب نادرة وأخرة بخطوط مؤلفيها وأخرى مخطوطات خزائنية مزخرفة ومجلدة. وستقوم الفرقان بطباعة 8 مجلدات من المكتبات الملحقة بدار الكتب المصرية وعددها 6000 عنوان. كما شرعت أخيرا في فهرسة مجاميع الفنون بدار الكتب التي قد تصل عدد مخطوطاتها إلى خمسة وعشرين ألف مخطوط (25000). وقد نشر منه 4 مجلدات تضم 5000 عنوان.

[29] أحسن مثال على هذه النفائس المكتشفة، كتاب “الضروري في النحو” لابن رشد، الذي اكتشف في إحدى المجموعات الموريتانية في نهاية النصف الثاني من القرن العشرين.