كلمة الدكتور سيدي محمد رفقي في افتتاح ندوة الثوابت الدينية المشتركة: أسس الهوية الإفريقية

كلمة الدكتور سيدي محمد رفقي في افتتاح ندوة الثوابت الدينية المشتركة: أسس الهوية الإفريقية

كلمة الدكتور سيدي محمد رفقي الأمين العام لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في افتتاح الندوة العلمية التي ينظمها فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في جنوب أفريقيا بعنوان الثوابت الدينية المشتركة: أسس الهوية الإفريقية. وذلك يومي السبت والأحد 25 و26 شوال 1440هـ الموافق لـ : 29  و30 يونيو 2019م.

لدكتور سيدي محمد رفقي الأمين العام لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة
الدكتور سيدي محمد رفقي الأمين العام لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة

الحمد لله

والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه

أصحاب المعالي،

سيداتي وسادتي،

إنه لمن دواعي الفرح أن أجد نفسي اليوم بين ظهرانيكم بصفة الأمين العام لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة.

بادئ ذي بدء، اسمحوا لي أن أعبر لكم عن شكري وامتناني للمنظمين، ولمختلف الشخصيات التي خصصت لنا استقبالا حارا وساهمت في إنجاح لقاءنا هذا.

سيداتي وسادتي،

أليست لنا عدة مبررات لكي نؤمن ونقتنع أن العالم الذي نعيش فيه، هو في الحقيقة عالم معقد يصعب فهمه، وهذا بنظرنا أمر طبيعي بالنظر إلى ظاهرة التعددية المرتبطة بالانتماء العرقي والثقافي والديني؟

فتعدد مجتمعاتنا الإفريقية، هي في حد ذاتها غنى وإثراء لا يقدر بثمن، ويفرض علينا المحافظة عليها بكل الوسائل المشروعة وبكل ما أوتينا من قوة.

لكن، من المنطقي أيضا، أننا لا يمكن أن نفهم وندرك معنى التعددية، دون الدعوة إلى الحوار والتضامن الأخوي كسلوك في الحياة.

فالحوار والتضامن الأخوي هو بالأساس حالة وجدانية.

في الواقع، يقتصر الأمر على أن نعيش في صيغة حوار ناجعة، وفي ابتكار منهج التفاهم والتعاون والمؤازرة فيما بيننا.

وعلى هذا الاساس، فالحوار الذي يبدأ من الأنا والذات ومع الآخر، هو في آن واحد، لغة مبتكرة، وجب الابداع في استحداثها دائما وباستمرار.

وهذه هي سنة المؤمن.

سلوك روحي ينقل المؤمن إذن :

  •  من وجدان منغلق، الى وجدان منفتح على استقبال الآخر،
  • من الميول لطمس الآخر، الى احترامه بدل ذلك،
  • من الاشمئزاز والكراهية كسلوك، الى اللقاء الأخوي الصافي.

فالأمر هو أيضا، أن نعيش في تلاحم مع كل من يؤمن بصفة مختلفة عنا، وذلك في مقاربة تعتمد على البحث عن معرفة الآخر والاعتراف به كما يحددهو وجوده، وبالتالى احتضانه لذاته.

والأهم في ذلك، هو أن نتعلم دائما كيف نتبادل الحديث وكيف نتضامن.

ولكي نعمل على تحقيق ذلك، لابد من :

  • أن نخرج من الخطاب البلاغي الذي يطغى عليه التصنع والجمود،
  • أن نفكر بلا حدود في لغة جديدة للحوارالداعى للتضامن،
  • أن نسكن اللغة الصريحة بالمفهوم البلاغي، كما نسكن البيت الذي نقطنه.

يجب أن لا ننسى أننا نعيش في كنف مجتمع التاريخ الذي شهد منذ القدم الإثراء المتبادل من خلال مؤسسات تاريخية عتيدة، كانت ولا زالت الضامن الحقيقي لكرامة الإنسان وبكل أبعادها الروحية.

إن إمارة المؤمنين التي يجسد روحها أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، تلخص ذالكم التناغم الإسلامي الذي يضمن الكرامة الإنسانية على مستوى كل الأبعاد والتجليات.

اثنا عشر قرنا من إسلام السلام والتسامح في أحضان إمارة المؤمنين التي بصمت العالم، وخصوصا القارة الإفريقية ببصمات روحية يشهد لها التاريخ.

ففي كنف إمارة المؤمنين، استطاعت المملكة المغربية أن تجسد مع أشقائها الأفارقة السلام الروحي والتسامح والحوار والتضامن الأخوي.

ففي هذا الإطار، ينطوي القرار السيادي لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله بإحداث مؤسسة تعنى بالعلماء الأفارقة.

فمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، هي تعبير على عمل ينبثق من الجذور التاريخية العميقة، ويعتمد على التراث الحضاري الغني الذي تجلى دائما في العلاقات المميزة بين المملكة المغربية وبقية البلدان الإفريقية الشقيقة.

إنها مبادرة ملكية سامية تقدم ضمانات الاستمرارية لهويتنا الإسلامية المشتركة، وتجمع ما بين حقوق الإنسان أكانت تشريعية سماوية أو دنيوية.

إنه التزام يضمن تجسيدا حقيقيا للإيمان، في مجتمع يطمح إلى السلم الروحي وإلى الطمأنينة والسكينة التي تملأ القلوب.

سيداتي وسادتي،

إننا نتقاسم القيم الأساسية المشتركة، لأننا ننبعث من إنسانية واحدة ومن تراث روحي مشترك.

فثقافاتنا وحضاراتنا تأخذ معينها من نفس منابع الوحي الإلهي.

أجل، من الجدير بنا، إذن، أن نعرف منابعنا ومصادرنا الإفريقية حتى يتسنى لنا أن نتعارف فيما بيننا، وبالتالي يقبل بعضنا على بعض من أجل التعاون البناء.

فثقافاتنا المختلفة، قاسمها المشترك هو المرجع الأخلاقي الذي يجمعنا ويحفزنا علي التلاقي والتضامن واحترام الآخر.

سيداتي وسادتي،

لا بد من التذكير أن الدين الإسلامي الحنيف، ينبني على مرتكزات الخلق الحسن، والمحبة، والتآزر، والرحمة، والإخلاص، والتسامح والسلم،

والمؤمن الحق الذي يعيش وفق هذه المرتكزات، هو بالتأكيد:

  • مهذب رقيق الإحساس،
  • عاقل،
  • متسامح،
  • جدير بالثقة،
  • ومسؤول.

ويمكن لهذا المؤمن الحق أن يمنح في الأخير:

  • المحبة للآخر،
  • الاحترام،
  • التضامن،
  • السلام،
  • الرغبة في العيش الرغيد مع الآخرين.

إن حياة المؤمن كلها رحمة ساطعة للعيان، منبعها الحقيقي رحمة الله سبحانه وتعالى.

وبالتالي، فإن المؤمن مطالب دائما أن يأخذ بعين الحسبان في هذه الحياة الدنيا التعاليم الأخلاقية الإسلامية التي تحث دائما على:

  • الرحمة،
  • والشفقة،
  • والتسامح،
  • والتضامن،
  • والسلام.

سيداتي وسادتي،

إن الإسلام الحنيف، هو الدين المستنير.

والمسلم قبل كل شيء، هو إنسان مسالم، متسامح ويتمتع بعقل واع ومستنير.

وفي الأخير، يجب التأكيد أن التعاليم الأخلاقية لديننا الحنيف، تمنح للقارة الإفريقية وللإنسانية جمعاء، التعاليم التي تشع السلم والسلام والتضامن والأمان.

والرسالة الخالدة المنبثقة من هذه التعاليم السمحة، هي الكفيلة بأن تجعل من المؤمن إنسانا في راحة نفسية مع نفسه أولا، وبالتالي بإمكانه، بعد ذلك، أن يمنح لسائر المجتمع الحكمة والتضامن المتناغمتان مع بهاء روح تعيش بسلام آمن.

أشكركم على تفضلكم بالإصغاء،

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.