المدرسة المالكية الأصولية وإبداع المغاربة فيها

المدرسة المالكية الأصولية وإبداع المغاربة فيها

المدرسة المالكية
المدرسة المالكية

إن الدارس لتاريخ أصول الفقه الإسلامي يلاحظ أن ثمة تجاوزا للمذهب المالكي، وإغفالا لإبداعات علمائه، واتهامهم بأنهم لم يبدعوا ولم يؤسسوا منهجا أصوليا لهم، وجعل علم الأصول قاصرا على مدرسة الحنفية ومدرسة الشافعية، هذا التصور الخاطئ دفعني إلى أن أدرس الموضوع دراسة جدية كان هذا العرض الموجز بمثابة مدخل لها والذي هو بعنوان: المدرسة المالكية الأصولية وإبداع المغاربة فيها”.

تناولت في بداية هذا العرض، المدرسة المالكية الأصولية، فأقمت البراهين على وجودها، وأبرزت خصائصها ومميزاتها، ثم استعرضت تاريخها في الغرب الإسلامي عبر أطوار ومراحل أربع.

المدرسة المالكية الأصولية

إن الدارس لكتب الأصول عامة والتراث المالكي خاصة، يستطيع أن يقول جازما بأن للمالكية مدرسة أصولية لها أسسها ومناهجها الخاصة، كما أن لها أسلوبا متميزا تنفرد به، والأدلة على هذا كثيرة، منها:

آراء واختيارات المدرسة المالكية الأصولية

أثناء قراءتي الخاصة للدراسات الأصولية، وأخص بالذكر كتاب: البحر المحيط للإمام الزركشي (تـ 794هـ) الذي يعد بحق موسوعة هامة في علم الأصول – وقفت على آراء كثيرة واختيارات عديدة تعزى للمذهب المالكي، وهذه نماذج منها فيما يتعلق بمباحث الحكم الشرعي خاصة، ولقد صنفتها صنفين:

أ- على مستوى المذهب

ومن ذلك:

ما يتعلق بتعريف الحكم

أغلب كتب الأصول تورد عند بحثها تعريف الحكم الشرعي مسالة تعلق التكليف بالصبي وعدمه. وتتفق على أنه مكلف في غير الواجب والمحرم.

قال العلامة أبو العباس حلولو في الضياء اللامع عند تعقبه قول ولي الدين العراقي في المسالة ن قال: وهذا الذي ذكر أي أنه غير مكلف هو خلاف ما يظهر من مسائل مذهبنا، ولو قال لا يتعلق به لاحتمل أن يجري على قول الإمام القائل بأن التكليف إلزام ما فيه كلفة، ولا خفاء أن الصبي غير مخاطب بذلك لقصور هذه العبارة على المحرم والواجب، وصرح القرافي في شرح المحصول بأن الصحيح خطابه بالمندوبات وله في القواعد قاعدة الفرق بين أنكحة الصبيان تنعقد ويخير الولي وطلاقهم لا يلزم لأن عقد النكاح سبب إباحة الوطء، وهم أهل للخطاب بالإباحة والندب والكراهة دون الوجوب والتحريم والطلاق، وكذا ابن رشد في البيان والمقدمات، وإلى هذا أشار العلامة سيدي عبد الله الشنقيطي فقال:

قد كلف الصبي على الذي أعتى ** في غير ما وجب والمحرم

وتعد هذه المسألة من أبرز أسباب اختلاف الأصوليين في تعريفهم للحكم، قال الإمام الزركشي في البحر المحيط: ومنهم من قال: خطاب الله المتعلق بأفعال العباد ليدخل الصبي، وهذا نشأ من الخلاف في أن الصبي مأمور بأمر الولي أو بأمر الشارع.

فيكون البلوغ عند المالكية شرطا في التكليف بالواجب والمحرم.

ما يتعلق بدرجات الواجب

يناقش الأصوليون أثناء حديثهم عن الواجب مسألة: هل الواجب مرادف للفرض أم لا؟ أو بمعنى آخر: هل للواجب درجات؟ ويذكرون فيها مذهبين: مذهب يرى الترادف وهم الجمهور، وآخر يرى عدمه وهم الأحناف .في حين لا يتعرضون لا من قريب ولا من بعيد إلى قول المالكية في المسألة، قال حلولو، رحمه الله، في شرح التنقيح:

ووقع لنا – أي المالكية – في المدونة ما يقتضي عدم الترادف، أي بين الواجب والفرض، وهو قوله فإن احتقن في فرض أو واجب وقال مثله في الضياء اللامع. ويقول الدكتور محمد المختار ولد أبه في كتابه القيم مدخل إلى أصول الفقه المالكي: وأعتقد أن الإمام مالكا كان يجعل الواجب في درجات مختلفة من حيث الترتيب.

ما يتعلق بمراتب المندوب

قسم المالكية المندوب إلى اقسام، وجعلوه مراتب ودرجات متفاوتة، نظرا لتفاوت الدليل، وفي هذا يقول أبو العباس حلولو، رحمه الله، في الضياء اللامع: ولكن لما كانت مراتب الندب بحسب دليله متفاوتة أي أن بعضها آكد من بعض وأقرب إلى الإيجاب، اصطلح أهل مذهبنا وبعض الشافعية على تسمية متعلقه القوي بالسنة وجعلوا السنة مراتب أيضا بعضها آكد من بعض.

ومعلوم أن هناك فرقا بين ما ذهب إليه المالكية وقول بعض الشافعية، قال الإمام ابن السبكي في جمع الجوامع: والمندوب والمستحب والتطوع والسنة مترادفة خلافا لبعض أصحابنا، وهو لفظي أي أن تفاوت مراتب المندوب عندهم ليست لها فائدة وثمرة، وهذا يعكس ما يقوله المالكية، قال أبو العباس حلولو: وأما قول المصنف، أي ابن السبكي إن الخلاف لفظي، فمعناه بين أصحابهم وإلا فمذهبنا أنه ليس بلفظي، وقد فرق أهل المذهب بين تارك السنة في الصلاة وتارك الفضيلة، فقالوا لا يسجد للفضيلة ولا المستحب، وعن سجد لذلك بطلت صلاته، وهذه مراتب المندوب حسب قوتها عند المالكية.

  • السنة: ماواضب عليه النبي صلى اله عليه وسلم، وأظهره في جماعة.
  •  الرغيبة: ما رغب فيه وداوم على فعله.
  • النفل: ما أعلم مافيه من الأجر.
  •  الفضيلة والندب والمستحب: ما فعله مرة أو مرتين.
  • التطوع: ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد.

ولقد نظم هذه المراتب سيدي عبد الله الشنقيطي رحمه الله، في مراقي السعود فقال:

فضيلة والندب الذي استحب *** ترادفت ثم التطوع انتخب
رغيبة ما فيه رغب النبي *** بذكر ما فيه من الأجر جبي
أو دام فعله بوصف النفل *** والنفل من تلك القيود أخل

ما يتعلق بالأداء

قال حلولو بعد أن ذكر تعريف ابن السبكي: والأداء فعل بعض، وقيل كل ما دخل وقته قبل خروجه والمؤدى ما فعل.

قال: والأول في كلام المصنف هو المشهور عندنا، وإلى هذا أشار صاحب مراقي السعود بقوله:

وكونه بفعل بعض يحصل *** لعاضد النص هو المعول

قال في الشرح: يعني أن كون الأداء حاصلا بفعل بعض العبادة في وقتها هو المعول عليه عندنا والمشهور للنص العاضد له، ويقول العلامة محمد يحيى الولاتي في فتح الودود: يعني أن كون أداء الصلاة خاصة يحصل بفعل بعضها في وقتها المعين لها شرعا والباقي خارجه هو المعول عليه عند المالكية لأجل النص العاضد له.

ما يتعلق بالإعادة

قال الإمام القرافي في شرح التنقيح: و أما مذهب مالك، فإن الإعادة لا تختص بالوقت بل في الوقت إن كان لاستدراك المندوبات أو بعد الوقت لفوات الواجبات.

ب – على مستوى علماء المذهب المالكي

لبعض علماء المذهب آراء واختيارات فيما يتصل بمبحث الحكم الشرعي، من ذلك: – يسمي الإمام ابن أبي زيد القيرواني السنة المؤكدة بالواجب، قال أبو العباس حلولو: وربما أطلق بعضهم – أي بعض المالكية – على المؤكد منها لفظ الواجب وإلى هذا أشار سيدي عبد الله الشنقيطي بقوله:

وبعضهم سمى الذي قد أكدا ** منها بواجب، فخد ما قيدا

قال في نشر البنود: يعني أن بعض أصحاب مالك سمى السنة المؤكدة واجبا، وعليه جرى ابن أيي زيد القيرواني في الرسالة حيث يقول: سنة واجبة.

اختار الإمام أبو بكر محمد بن خويزمنداد شيخ المالكية في بغداد رأيا مخالفا للمذهب المالكي الواجب في الخير وهو: أن لكل واجب على التخيير والبدل .

ذهب الإمام أبو بكر الباقلاني إلى اشتراط العزم في الواجب الموسع.

يرى الإمام أبو بكر بن العربي أن المندوب غير مأمور به.

زاد الإمام القرافي في أنواع الحكم الوضعي: التقديرات.

كلمات مفتاحية : , ,