فروع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة تحتفي بمرور خمسة عشر قرنا على مولد النبي صلى الله عليه وسلم من خلال إقصائيات الدورة الثالثة لمسابقة المؤسسة في الحديث النبوي الشريف

عرفت الإقصائيات الوطنية للدورة الثالثة من مسابقة مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في الحديث النبوي الشريف، المنظمة خلال شهري يونيو ويوليوز 2026، مشاركة واسعة تجاوزت ألف مشارك ومشاركة من مختلف فروع المؤسسة بالقارة الإفريقية، بما يعكس المكانة التي أصبحت تحتلها هذه المسابقة ضمن البرامج العلمية للمؤسسة، والإقبال المتزايد الذي تحظى به لدى الشباب والمؤسسات الدينية في البلدان الإفريقية.
وتأتي هذه الدورة الثالثة في سياق الاحتفاء بمرور خمسة عشر قرنا على مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، تنفيذا للتوجيهات السامية لأمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الرامية إلى ترسيخ محبة النبي الكريم في النفوس، وتعزيز ارتباط الأجيال بسيرته العطرة وهديه القويم، واستلهام قيمه السامية في الوسطية والاعتدال والتسامح.
واختارت المؤسسة للدورة الثالثة دليلا علميا موحدا يضم مائة حديث نبوي تدور كلها حول النبي صلى الله عليه وسلم، موزعة على أربعين حديثا في دلائل النبوة، وثلاثين حديثا في الشمائل المحمدية، وثلاثين حديثا في الخصائص النبوية. ويجسد هذا الاختيار رؤية علمية وتربوية تجعل من حفظ الحديث وسيلة لبناء معرفة متكاملة بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، من خلال التعرف إلى دلائل نبوته، والتأمل في شمائله، واستيعاب خصائصه، بما يعزز محبته والاقتداء بهديه في نفوس المشاركين.
ولا تقف المسابقة عند حدود الحفظ، بل تعتمد منهجا يجمع بين الاستظهار والفهم، إذ يخضع المتسابقون لاختبارات تقيس قدرتهم على شرح غريب ألفاظ الأحاديث، واستيعاب معانيها، والإجابة عن الأسئلة المرتبطة بها، فضلا عن الإلمام بجملة من قواعد مصطلح الحديث في الصنف الثالث. وبهذا تتحول المنافسة إلى برنامج للتكوين العلمي، يربط الحفظ بالفهم، ويؤهل الشباب للتعامل مع السنة النبوية تعاملا علميا رصينا.
ويبرز في هذا الإطار الدور المحوري لفروع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التي تضطلع بعمل علمي وتنظيمي متواصل يبدأ قبل موعد الإقصائيات بفترة طويلة. فالفروع تتولى الإعلان عن المسابقة، واستقبال الترشيحات، والإشراف على مراحل الانتقاء الأولي، وتأطير المشاركين، قبل الإشراف على الإقصائيات الوطنية ولجان التحكيم. ويؤكد هذا المسار أن الفروع لا تؤدي وظيفة تنظيمية فحسب، وإنما تضطلع بدور تربوي وعلمي يسهم في نشر علوم الحديث النبوي داخل المجتمعات الإفريقية.
ومن جهة أخرى،تعكس تجربة المشاركين حجم الجهد الذي تبذله هذه الفئة من الشباب في سبيل حفظ السنة النبوية. فإتقان مائة حديث، مع فهم معانيها وضبط ألفاظها والاستعداد لاجتياز الاختبارات العلمية، يقتضي استعدادا علميا متواصلا ومراجعة دقيقة، وهو ما يجعل الإقصائيات تتويجا لمسار من التعلم والاجتهاد، أكثر من كونها منافسة آنية. وقد أظهرت نتائج الدورة الثالثة مستوى علميا متميزا، يؤكد قدرة الشباب الإفريقي على الجمع بين الحفظ والفهم واستيعاب المقاصد العلمية للنصوص الحديثية.
وتكشف نتائج الدورة الثالثة عن مؤشرات نوعية لا تقل أهمية عن المؤشرات العددية. فإلى جانب اتساع قاعدة المشاركة وتزايد الإقبال على المسابقة، سجلت عدة فروع فوز متسابقات بالمراتب الأولى في مختلف الأصناف، بل تصدرت النتائج في عدد من البلدان، بما يؤكد تنامي حضور المرأة في برامج التأهيل العلمي التي تشرف عليها المؤسسة، وقدرتها على التميز في مجال حفظ الحديث النبوي الشريف وفهمه. ويعكس هذا المعطى نجاح جهود الفروع في توسيع فرص المشاركة أمام الجنسين، وترسيخ ثقافة علمية تجعل التفوق رهينا بالكفاءة والاجتهاد.
ومن أبرز ما تكشف عنه هذه الدورة الدور الذي تضطلع به مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في توحيد الجهود العلمية على مستوى القارة الإفريقية. فاعتماد دليل علمي موحد، وأصناف موحدة، ومعايير تحكيم مشتركة في جميع الفروع، يعكس نجاح المؤسسة في بناء مشروع علمي قاري يجمع علماء إفريقيا ومؤسساتها الدينية حول رؤية مشتركة لخدمة السنة النبوية. ولم يقتصر أثر هذا التنسيق على توحيد منهجية تنظيم المسابقة، بل أسهم في توطيد التعاون بين الفروع، وتبادل الخبرات والتجارب، وترسيخ مرجعية علمية مشتركة، مع احترام الخصوصيات الدينية والثقافية لكل بلد.
وقد أسهم هذا النموذج التشاركي في ترسيخ الثقة التي أصبحت تحظى بها المؤسسة لدى الفاعلين في الشأن الديني الإفريقي، وهو ما تجلى في الانخراط الواسع للطرق الصوفية، والمجالس الإسلامية، والمعاهد الشرعية، وإدارات المساجد في مختلف مراحل تنظيم الإقصائيات، سواء من خلال احتضان المنافسات، أو المشاركة في لجان التحكيم، أو الإسهام في تأطير المتسابقين. ويعكس هذا الانخراط المكانة التي أضحت تحتلها المؤسسة باعتبارها إطارا قاريا للتنسيق والتعاون بين المؤسسات الدينية والعلمية في إفريقيا، ومرجعا معتمدا في تنفيذ المبادرات العلمية المشتركة الرامية إلى خدمة السنة النبوية، وتعزيز المرجعية الدينية المشتركة، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال داخل المجتمعات الإفريقية.
وتتوج هذه الإقصائيات الوطنية بتنظيم النهائيات القارية للدورة الثالثة، المقرر احتضانها بالمملكة المغربية خلال شهر أكتوبر 2026، بمشاركة 123 فائزا وفائزة يمثلون مختلف فروع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، حيث يتنافسون على المراتب الأولى في محطة علمية تجسد ثمرة الجهود التي بذلتها الفروع في التأطير والإعداد، وتعكس وحدة المشروع القاري الذي تقوده المؤسسة لخدمة الحديث النبوي الشريف، وتعزيز التواصل العلمي بين علماء وشباب القارة الإفريقية، في تجسيد لرسالتها السامية تحت الرعاية الكريمة لأمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله.