ثابت التصوف السني وترسيخ قيم التسامح والسلام

ثابت التصوف السني وترسيخ قيم التسامح والسلام

ثابت التصوف السني وترسيخ قيم التسامح والسلام
ثابت التصوف السني وترسيخ قيم التسامح والسلام

يعتبر التصوف السني كما أرسى قواعده السلوكية شيوخ التزكية وعلم السلوك من أهم مميزات التدين الإسلامي في المغرب و كثير من الدول الإفريقية جنوب الصحراء، وذلك لما تراكم في هذا المجال من رصيد تربوي أسهم- عبر التاريخ- بصورة فعالة جدا في تشكيل الوجدان الديني والسلوك الاجتماعي للمتصوفة على اختلاف طرقهم ومدارسهم وتياراتهم.

التصوف السني أبرز عناصر التراث الإسلامي في إفريقيا

وهذه حقيقة تاريخية راسخة فالتصوف السني في كثير من البلدان الافريقية له مكانة خاصة وموقع فريد إذ هو أحد أبرز عناصر التراث الإسلامي التي كان لها تأثير في مجرى الحياة اليومية للأفارقة حيث اعتبر مكونا من مكونات هويتهم يصعب تجاوزه أو الحديث عن شيء يهم الأرض دون ذكره، فوجوده قد شكل حقيقة تاريخية دليلها سمة التصوف في التدين الشعبي لدى الناس في كثير من البلدان الافريقية ولذلك كثيرا ما ينظر الباحثون المهتمون إلى الشخصية الافريقية باعتبارها شخصية روحية بطبيعتها، وما كان للتصوف أن ينتشر في ربوع هذه البلدان لولا تلك السمة المميزة.

ومن المؤكد أن التجربة الصوفية في المغرب وافريقيا قد تأثرت على مستوى الممارسة بطبيعة البيئة وخصوصية الوسط، وأيضا على مستوى الحرية الفكرية ومدى الانفتاح على الآخر، ولذلك حفلت الممارسات الصوفية المتنوعة بنماذج من الصوفية ينتمون إلى مختلف الطرق المعروفة بصموا هذا المجال بسلوكات معينة تميل إلى السلوك الأخلاقي والتعبئة الشعبية عكس ما كان سائدا في المشرق والأندلس في بعض مراحل التاريخ من ميل التصوف إلى الفلسفة والاشراق. لذلك فإن التصوف في البلدان الافريقية يطبعه التوجه السني المعتدل بعيدا عن الانزياح إلى الفلسفات الصوفية المختلفة والمطبوعة بالتطرف والمغالاة.

ونظرا لسيادة الفقه وتأثيره في تفاصيل الحياة اليومية واعتبارا للعلاقة الوطيدة والمنسجمة التي تطبع الثوابت الدينية المشتركة عقيدة ومذهبا وسلوكا فإن مختلف التجارب الصوفية الافريقية تبقى محصورة في السلوك الأخلاقي والتربية الروحية وتزكية النفوس وتطهيرها. من هنا يمكن التأكيد على أن المبادئ السامية والقيم النبيلة التي يعمل التصوف السني الأخلاقي على ترسيخها من خلال تجارب الطرق الصوفية المنتشرة بالدول الافريقية تعبر في الغالب عن قيم الوسطية والاعتدال والمحبة والتسامح وإشاعة الأمن والسلام.

وإذا كانت الثوابت الدينية المشتركة التي يشترك فيها المغرب مع الدول الافريقية الشقيقة تتميز بمجموعة من الخصائص والمميزات من اعتدال ووسطية وتوازن فإن ثابت التصوف يتميز بخصيصة التسامح، إذ تعمل كثير من قواعد التصوف ومبادئه على ترسيخ هذه القيمة وتعزيزها.

إن مفهوم التسامح يسجل حضوره بقوة في عمق التجربة الصوفية من خلال مختلف أشكال الممارسة الصوفية وعبر أصناف الطرق والمذاهب التي تعرفها الدول الافريقية الرائدة في مجال التعبئة الشعبية في مجال التصوف.

وتجمع القواميس العربية على ان المقصود بالتسامح: المساهلة والسخاء والجود والكرم، فيقال: أسمح إذا جاد وأعطى بكرم وسخاء، وأسمح وتسامح إذا وافقني الآخر على المطلوب، وأسمح بمعنى انقاد وسامح بمعنى وافق على ما هو مطلوب، والمسامحة هي المساهلة.

فالإسلام إذن يجعل من التسامح سلوكا وقيمة يتحلى بهما الشخص تجاه الآخر، وخاصة الآخر المختلف عن الذات ولذلك عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال : الحنيفية السمحة ( ).

التصوف السني وخصائص الإسلام العليا

ويعزى هذا السماح الذي يتميز به التصوف السني إلى عوامل متعددة ومبادئ سامية تمثل حقيقة الإسلام وينبني عليها، وبذلك فخصائص التصوف ومميزاته في الدائرة الإفريقية لا تخرج عن خصائص الإسلام العليا ومميزاته الفضلى، ولعل أهمها:

  •  أنه دين الفطرة أي الدين الذي يساير طبيعة الإنسان في النزوع إلى التدين السليم قال تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
  • أنه دين الوسطية والاعتدال قال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) والوسط هو الخير والفضل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير الأمور أوسطها) .
  • انه دين اليسر قال تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فيسروا وقاربوا وأبشروا) ويقول عليه السلام محذرا من الابتعاد عن اليسر (إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين).
  • انه دين بحث على السلوك الحميد الذي ينبغي أن يكون قائما على الفضائل والمكارم وحسن الأخلاق، قال تعالى (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).
  • أنه دين يدعو إلى التعارف، أي إلى التجمع والتساكن وتبادل المنافع والمصالح وهو بذلك لا يرى فضلا لأحد على الآخر إلا بالتقوى، قال تعالى (يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله أتقاكم).
  • أنه دين يقوم على المحبة والمودة والأخوة وهي قيم ألح عليها القرآن في سياق دعوته الناس إلى التواصل والتسامح قال تعالى (والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض) وقال عز وجل (إنما المومنون إخوة).
  • أنه مجتمع التكافل، إذ التكافل مظهر للأخوة الجالبة لمبدأ التسامح والتضامن، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (المؤمن للمومن كالبنيان يشد بعضه بعضا).

من جهة أخرى يعمل ثابت التصوف السني على ترسيخ قيم السلم والسلام في المجتمع، وتبين لنا التجارب العامة أن رجال التصوف والسلوك الذين تنطوي أنفسهم على السلم وحب السلام يستطيعون أكثر من غيرهم الإسهام في نشر السلام وتعزيزه في محيطهم الذي يعيشون فيه، والقرآن الكريم حين يبين أن الناس جميعا ينتمون إلى الأسرة الإنسانية الكبيرة وينحدرون جميعا من أصل واحد فإن ذلك يعني أن الإنسان الذي يبحث عن السلام لا يبحث عنه لنفسه فحسب بل للآخرين أيضا، فالسلام من شأنه أن يوحد نفوس البشر الذين لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك وحدهم من دون هداية من الله الذي يريد الخير لكل الناس.

إن من المؤكد ان الاسلام حرص في تعاليمه على أن يغرس إرادة السلام في نفوس أتباعه ويربيهم على ذلك، ولا يعني هذا إقامة السلام فيما بينهم فحسب بوصفهم أتباع دين واحد ولكنه يعني أيضا إقامة السلام مع كل الناس بصرف النظر عن أجناسهم وأديانهم وألوانهم وكما جاء في الحديث النبوي ” سلم على من عرفت ومن لم تعرف” ولذلك فالفكر الصوفي يستلهم من هذه المبادئ والتوجيهات الإسلامية ما يجعل المجتمع يفشو فيه السلام بين الجميع ويسود فيه مناخ من السلم والتسامح والتعايش الآمن.

وقد جاء معنى السلم المجتمعي واضحا أشد الوضوح في الحديث الشريف الذي رواه النعمان بن بشير (ض) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ترى المومنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ففي هذا الحديث الشريف الحض على استعمال الرحمة للخلق كلهم مما يبعث الأمن والسلام والاطمئنان في نفوس الناس. وهذا ما يحرص رجال التصوف على تمثله واستيعابه بقوة والعمل على إفشائه ونشره وبث أسباب وبواعث الأمن والسلام في جميع الربوع والنفوس.

وهكذا فإن ثقافة التسامح والسلام تعتبر مبدأ راسخا في البناء الصوفي الذي يتبناه صوفية المغرب والبلدان الافريقية، وهي بما تعبر عنه من فرص للتوسعة على الناس والرحمة بهم وأخذهم باللين واليسر تعتبر قناة أساسية لتعزيز التربية المتشبعة بمعاني المحبة والمتطهرة من كل ميل الى الكراهية والبغض والحقد والضغينة.

فالتسامح يرتبط بالسلام ويتقاطعان في نشر الأمان ولذلك كان منهج أهل الله من رجال التصوف والعارفين بالله يتجاوزون في ممارستهم الصوفية ما يرتبط بتحقيق صلاح الفرد في نفسه وحماية فطرته إلى ترسيخ السلم وإشاعة الأمن ، لأن السلام إنما ينطلق من القلب والقلب محل الإيمان والطمأنينة.

آليات تحقيق منهج التسامح في الممارسة الصوفية

أولا: العدالة الاجتماعية

يعتر العدل من أهم عناصر الوسطية في الإسلام فكما جاء في الأثر: الوسط : العدل، لذلك اقتبس الفكر الصوفي هذا المبدأ وجعله عنصرا جوهريا في منهجه الوسطي. وبالرجوع إلى أدوار المتصوفة الأفارقة يلاحظ أنهم كانوا ينشدون العدالة في سلوكياتهم ويعتبرونها ضرورية لإقامة مبادئ التسامح والتوازن داخل مجتمعاتهم. ولذلك كانوا يناهضون الظلم والعدوان من أجل تحقيق مقاصد العدالة بطرق سلمية بعيدة عن كل أشكال الغلو والتطرف، ومن ذلك قيام زعماء وشيوخ التصوف بمبدأ الوساطة بين أطراف النزاع واسترداد الحقوق لأصحابها ووقف تجاوزات المتنفذين من أصحاب النفوذ المتسلطين على عامة الناس، وإصلاح ذات البين بين الأزواج والجيران، كل ذلك عن طريق نهج أسلوب الليونة والتسامح وتحقيق السلم الاجتماعي.

ثانيا : التسامح وحق الاختلاف

استنادا إلى المبادئ القرآنية والتوجيهات النبوية القاضية بضرورة التعارف والتفاهم والتعاون بين الناس دون تمييز بين الأجناس والاعراق والمستويات الاجتماعية ينهض التصوف السني بالربوع الافريقية بقيمة التسامح إيمانا واقتناعا بأهمية إنتاج فضاء مشترك يقبل رأي الآخر رغم الاختلاف معه. فالتصوف كما يقول الإمام الجنيد “كالأرض يطأها البر والفاجر، وكالسحاب الذي يظلل كل شيء وكالمطر يسقي كل شيء” (الرسالة القشيري ص 281).

وقد قدمت المدرسة الصوفية الافريقية نموذجا مثاليا في اتجاه حب الخير للآخرين والتسامح معهم واحترام المخالفين. ولا شك أن الاقتناع بحق التعدد والتنوع والاختلاف في المواقف والآراء يعتبر في حد ذاته مبدأ وسطيا يقع بين موقفين متطرفين.

ثالثا :الواقعية والارتباط بالمجتمع

مما يقوم حجة على وسطية التصوف السني بافريقيا ابتعاده عن سلوك نهج الرهبانية والانعزال عن الحياة، فمعظم أتباع الطرق الصوفية المعروفة بالبلدان الافريقية ارتبطوا بواقع مجتمعاتهم وتعلقوا بالسياق المعيشي والعمل اليومي كباقي الناس، وهو ما يجعل من التجربة الصوفية الافريقية تجربة ديناميكية متحركة بعيدة عن المواقف التواكلية التي تبقى عالة على الغير بدعوى التفرغ للممارسة الروحية. وهذا ما يؤكد سمة الانفتاح في التصوف السني الافريقي من خلال الحرص على ممارسة التصوف الجماعي ونبذ النزعة الفردية الانعزالية، وهي أخلاق لا تتضح معانيها ومظاهرها إلا بالتعامل مع الناس والصبر على أذاهم مصداقا للحديث النبوي الشريف (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على آذاهم) ( ).

لذلك وجدناهم أكثر إحياء وحضورا وتنظيما للمهرجانات والمناسبات الكبيرة التي تعكس حقيقة التصوف الجماعي المتفتح على كل شرائح المجتمع وفئاته. كما أنهم أكثر تدخلا في الجانب الاجتماعي التضامني بالإيواء والإطعام خصوصا أيام المجاعات والأوبئة والحروب. إنها ممارسة صوفية جماعية تنبني على خلق روح الجماعة الصالحة المندمجة في المجتمع بحيث لا تقسم الناس إلى خاصة يصلح لهم أمر التصوف وعامة لا يصلح لهم، فلا تقصي أحدا إلا من أراد أن يقصي نفسه من دائرتها، وهذا قمة التسامح وحسن التعامل مع الجميع.

رابعا : منهج الوسطية والاعتدال

وهو منهج يلازم رجال التصوف الأفارقة في أغلب الحالات والأوقات، ومرد ذلك إلى الجمع بين الشريعة والحقيقة وبين الفقه والتصوف، وقديما قال الشيخ زروق الفاسي (ت 899) :” من تصوف ولم يتحقق فقد تزندق ومن تحقق ولم يتصوف فقد تفسق ومن جمع بينهما فقد تحقق”. وقبل الشيخ زروق اشتهر عن الإمام الجنيد قوله: ” علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به” ولاشك أن اعتماد الوحدة المذهبية فكرا وتشريعا قد ساعد رجال التصوف بافريقيا على الاعتدال والتميز لتحقيق وحدة سلوكية مطبوعة بالطابع الاجتماعي المنفتح.

إننا إذا فحصنا التصوف السني لدى الأفارقة وخاصة في غرب القارة على مستوى الممارسة التطبيقية نكتشف أنه كان في معظمه متبنيا منهج الوسطية والاعتدال. وزاد نموه في حضن المذهب المالكي من ترسيخ جذور هذا الاعتدال وهو ما جعل رجاله ينأون بأنفسهم عن الغلو في الفكر والسلوكات المتشددة، وظلت هذه المزاوجة بين التصوف والفقه في ظل بيئة سنية تحصن الفكر الصوفي ضد أي اختراق للتطرف والتشدد. ومما يتميز به هذا التصوف أنه تجاوز قهر شهوات النفس باستثناء ما هو مفيد للرياضة الروحية وسلك وسطية واقعية ذات بعد اجتماعي مزج بها بين إطعام الروح والبدن.

لقد وعى المتصوفة الأفارقة ان الوسطية تمثل منطقة الأمان التي تجسد حبل النجاة من الأفكار المتطرفة التي وقع في فخها بعض ممثلي التصوف الفلسفي في المشرق فلم يبالغوا في التصورات والأحكام والتزموا بالتوجيهات النبوية المقتصرة على التصوف القلبي المختص بالرقائق وانتقدوا التصوف الفكري البعيد عن عقول عامة الناس.

إن الذي يميز التصوف السني في المغرب والدول الافريقية التشديد على الجانب السلوكي والنزوع إلى التصوف الأخلاقي. وهذا ما يسمح لنا بالقول : إن أعلام التخلق السني بدول غرب افريقيا على وجه الخصوص لم يروا لأنفسهم إطارا مرجعيا خارج الكتاب والسنة ومنهج الأئمة الأعلام من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين من علماء السلوك والتربية والمعاملات والأخلاق، كما لم يبتغوا لأنفسهم صفة الابتداع التي رموا بها من قبل خصومهم، بل سعوا إلى إبعادها والتأكيد على نقيضها حيث اعتبروا أنفسهم حراس السنة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم (لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) ( ).

الإنفاق من أجل تحقيق السلم الاجتماعي.

من المعروف عن مختلف الطرق الصوفية المنتشرة بالمغرب ودول غرب افريقيا انخراطها الواسع في تحقيق مبدأ الإنفاق في السلوك الصوفي وهو مبدأ اجتماعي عام ينطلق من البعد الديني الذي يعطي للبذل والإنفاق قوة إيمانية نفسية تمثل شحنة إيجابية في تفعيل ركائز التضامن والتكافل الاجتماعيين. وإذا كانت القاعدة تقضي بأنه كلما اتسعت دائرة التسامح والسلام ضاق مجال الكراهية فان الصوفية انطلاقا من مبدأ (أحب الناس إلى الله أنفعهم لعياله وأكرمهم لخلقه) تسابقوا إلى توسيع دائرة الانفاق وإبراز مساحات من الجود والكرم والعطاء خدمة للناس وتنافسا على نفع الخلائق.

لقد كان كبار رجالات التصوف المشهورين امثال أبي يعزى وابن حرزهم وابي العباس السبتي المغاربة يجتهدون في تأصيل مبدأ الإنفاق من جهتين: جهة النص وجهة الذوق، فمن جهة النص كانوا يستشهدون بما جاء في فضل التصدق والإنفاق من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وعمل السلف الصالح الذين كان العمل التضامني يشكل أساس بناء الجماعة لديهم. أما من جهة الذوق فلأن القوة الروحية للصوفي تدفعه إلى جعل الإنفاق على المحتاجين وإسداء الخير للغير على رأس الأولويات في أعمال التدين. فقيمة التعبد بالعبادات الأخرى إنما يصدقه أو يكذبه سلوك المتعبد في باب الإنفاق ( ) ولذلك يتم إرجاع سائر أصول الشرع إلى الصدقة والإنفاق وهي معان بارزة في أركان الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج.

لقد اشتهر عن الشيخ أبي يعزى العمل على إشاعة روح التكافل والتضامن بين الناس تثبيتا لأمر السلم الاجتماعي الذي لا يمكن تحققه في ظل الفوارق الطبقية وحصول العوز والحاجة لدى فئات من المجتمع ولذلك كانت له فلسفة خاصة وغريبة في الإنفاق على المحتاجين بحيث كان ينفق تسعة أعشار من زرعه ويكتفي هو بالعشر وكان يقول: “إني أستحيي أن أمسك تسعة أعشار وأصرف العشر للمساكين فإن هذا من سوء الأدب مع الله عز وجل” ( ). أما أبو العباس السبتي الذي قال فيه ابن رشد الحفيد: هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود فقد عقد النية مع الله ألا يأتيه شيء من الرزق إلا شاطر فيه إخوانه الفقراء وقسمه معهم ثم أخذ بعد مدة ينفق النصف ويترك لنفسه النصف ثم أخذ بعد ذلك يمسك الثلث ويتصدق بالثلثين سنوات عديدة إلى أن اهتدى إلى التصدق بتسعة أعشار والإمساك بالعشر فقط ( ) أي أنه يأخذ لنفسه- كما فعل أبو يعزى- الحق الواجب للمساكين ويعطي المساكين ما كان يجب أن يكون له بصفته المالك.

إن المتأمل فيما سار عليه شيوخ التصوف من إعمال لمبدأ الإنفاق وتحقيق مستوى المشاطرة بين الناس سيتأكد له مدى الإسهام الكبير الذي يقوم به هؤلاء في إرساء قواعد السلم الاجتماعي اعتبارا لكون السلم الاجتماعي إنما يتحقق بتوفر ثلاثي الأمن المدني والأمن الغذائي والأمن الصحي وهو ما يشهد له حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه له قوت يومه فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها” ( ).

إن مذهب التصوف السني القائم على التكافل والتضامن والإنفاق يعمل على توفير الاستقرار والهدوء وينفي الخوف والفزع. لأن مجتمع السلم الذي يحلم به الناس ويتطلعون إليه لا يمكن تحقيقه والوصول إليه إلا عبر مجتمع الجود والتضامن والتكافل.

موقع قيمة التسامح في الممارسة الصوفية.

يرتبط التسامح بما هو مبدأ في البناء الحضاري للإسلام بما في الممارسة التدينية من فرص للتوسعة على الناس ورفع الحرج عنهم وأخذهم باللين واليسر، وهو أيضا الانفتاح على ما عند الآخر والتساكن معه .وهو كذلك ما في الإسلام من ترغيب في الخير وتنفير من الشر، إنه الحنيفية السمحة التي هي خلق جميع الأنبياء. إنه باختصار ارتقاء الأدب إلى مقام الإحسان، وبالتالي فان قيمة التسامح تحتل موقعا مركزيا في الفضاء الصوفي العملي. واستنادا إلى قيمة التسامح يقر الفكر الصوفي مبدأ التكافؤ بين المسلمين، ويجعل معيار التفاضل بين الأتباع هو التقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وبفضل هذا المبدأ تلغى كل أنواع العصبيات العنصرية سواء كانت عصبية قومية أو قبلية أو لغوية.

وهذه الرؤية الصوفية لمكانة الإنسان في الحياة تختلف كل الاختلاف عن الرؤية العنصرية الضيقة التي تجعل العصبيات المتلاحمة تقف موقف المواجهة والمغالبة بحثا عن مكاسب ومطامح مادية وأدبية .
إن نظر الصوفي إلى الوجود لا تتحكم فيه آليات معرفية أو معطيات موضوعية وإنما تتحكم فيه نزعة روحية تتأسس على الذوق والكشف الذي يستشرفه الإنسان بواسطة المجاهدة.

إن القول الصوفي بالتسامح ليس مجرد موقف شرعي أخلاقي تمليه آداب معاملة الخلق بل هو قبل ذلك موقف ديني معرفي أصيل فهو بما يعبر عنه من تساهل وإيثار وتجاوز وعفو واعتراف بالآخر مأمور به في القرآن والسنة. والثقافة الصوفية حمولة معرفية وتراثية توثق وترسخ قيم التعايش والتسامح ومحبة الآخر.

إننا ندرك قيمة التسامح عندما نتأمل واقع الحياة الإنسانية اليوم خاصة في كثير من البلدان الافريقية وما يكتنفها من صراعات وخلافات مصدرها الكراهية ونبذ الآخر لا لشيء إلا لأنه يخالف أفكارنا ولا يخدم مصالحنا فيغيب التواصل ويقل التعارف وينتج عن ذلك اختلال الأمن وغياب الثقة بين الناس وفتور العلاقات الإنسانية، لكن كان من مقاصد التصوف السني إرساء نوع من الأمان النفسي والاجتماعي في النفوس.

وإذا كان التصوف السني يؤسس قبل كل شيء للتواصل مع الله تعالى عبر الصلاة التي هي صلة العبد بربه وعبر صنوف أخرى من العبادات فكيف يمكن أن يتعلم المرء هذا التواصل وينميه إذا فقد التواصل مع الآخر بالحكمة والموعظة الحسنة وبالحوار والكلمة الطيبة والرحمة والإحسان.

التصوف ودبلوماسية التسامح

لا شك أن التصوف السني يعتبر من أكثر المكونات الدينية رعاية وخدمة للأبعاد الروحية للأمة وذلك لاختصاصه بخدمة الجانب الروحي والإحساني من الدين المتمثل في تزكية النفس وتطهيرها والسمو بها إلى كمالات الأخلاق. ولقد قدم التصوف السني بالقارة الافريقية وخاصة في الجانب الغربي منها وعبر التاريخ نماذج إنسانية وحضارية راقية شكلت مرجعا قيميا وأخلاقيا وروحيا كبيرا، وكان لها الأثر البالغ في إشاعة روح التعايش والتسامح بين الأفراد والجماعات فكان كل ذلك بمثل دبلوماسية روحية متألقة في التقريب بين الناس ونسج أواصر التعارف والتفاهم بينهم وتفعيل ثقافة الحوار والتعايش وترسيخ القيم الإسلامية النبيلة الداعية إلى التسامح والمحبة والسلام.

إنها دبلوماسية تنهل من العرفان الصوفي مادتها المعرفية ومن التزكية الروحية منهجها لاقتراح ما يمكن أن نطلق عليه (دبلوماسية التسامح) كما أسسها القرآن والسنة النبوية إلى جانب ما تحفل به سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مظاهر التسامح ومكارم الأخلاق.

إن دبلوماسية التسامح من شأنها أن تساعد على تصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة وتنقية أجواء الحوار بعيدا عن أي خطاب حماسي أو إقصائي، وإنما الغاية هي بعث الحياة في مجتمعات تعاني الخوف من الآخر وتخشى الاقتراب من المخالف علما بأن النصوص القرآنية والتوجيهات النبوية قد حددت منظومة تشريعية في التعامل مع الآخر تؤطرها قيم العدل والرحمة والتسامح والسلام. منها قوله تعالى ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا إليهم ان الله يحب المقسطين) وقوله عز وجل ( يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى).

لقد اعتمدت الطرق الصوفية بمختلف مشاربها التيجانية والمريدية والقادرية وغيرها رصيدا أخلاقيا زاخرا بالكثير من القيم والأفكار التي تؤسس لتواصل فاعل ومثمر بين الناس والتي يمكن استثمارها لترسيخ ثقافة التسامح والسلام وتعزيز جسور العبور نحو عوالم الصفاء والمحبة خاصة في زماننا هذا الذي أصبح فيه التسامح وتحقيق السلم الاجتماعي أعز ما يطلب فتكون بذلك تزكية النفوس وتهذيب الأخلاق مدخلا إلى تحقيق السلام بكل تجلياته وأبعاده ومستوياته.

وبهذا يكون أهل التزكية من رجالات التصوف قد سعوا عبر تاريخهم المديد إلى التواصل مع الآخر بدافع إنساني أولا يتمثل في نشر المحبة والسلام ثم بدافع ديني يتمثل في تبليغ رسالة الإسلام السمحة والدعوة إلى تعزيز جسور التسامح ونبذ العنف والتطرف.